الحقبة الكولونيالية...حمولة تاريخية ثقيلة

المنظرون لإعادة الاعتبار للكولونيالية تناسوا مئات آلاف القتلى، المدنيين في معظمهم، الذين قتلتهم الأرتال الجهنمية للجنرال بوجود وخلفائه بين عامَيْ 1840و1881، متسببة في عملية ترحيل قسري  ومشهدي للسكان، مات جراءها  ما يقارب 900000 «من البلديين» كما كانوا يسمونهم في ذلك الوقت. لقد تناسوا الغزوات الدموية المنظمة، والسلب الجماعي، الذي كان يستهدف منح الكولونيين القادمين من المتروبول أجود الأراضي الزراعية.

لقد تناسوا أيضا قانون إدارة المستعمرين،هذا الأثر التذكاري التاريخي لعنصرية الدولة الفرنسية ، الذي تم تبنيه في 28 حزيران/يونيو 1881 من قبل الجمهورية الثالثة لمعاقبة «العرب»  على أساس معايير عرقية و ثقافية، الخاضعين لحملة عسكرية وعدالة استثنائية، في تناقض صارخ مع المبادئ كلها المعترف بها من قبل المؤسسات و إعلان حقوق الإنسان والمواطن.

حركيون يمشون في شوارع  الجزائرعام 1957. و"الحركيون" هم جزائريون مسلمون جندهم الجيش الفرنسي واستعملتهم فرنسا من أجل قمع الثوار الجزائريين والتجسس عليهم.
حركيون يمشون في شوارع الجزائر عام 1957. و"الحركيون" هم جزائريون مسلمون جندهم الجيش الفرنسي واستعملتهم فرنسا من أجل قمع الثوار الجزائريين والتجسس عليهم. ,لا تزال صفحة الماضي المتمثلة بالحقبة الكولونيالية، وحرب التحرير الوطني، تلقي بإرثها وحمولتها التاريخية الثقيلة على مستقبل العلاقات الفرنسية- الجزائرية. فالماضي الكولونيالي يسيقظ من سباته،و يطفو على السطح، وتهب رياحه عاتية كلما أرادت فرنسا والجزائر التقدم على طريق إبرام معاهدة صداقة بين البلدين.

لقد تناسى هؤلاء المجازر التي ارتكبت قبل سبعين عاما في الجزائر، والتي تعتبر مروعة، و لم يسبق لها مثيل منذ حرب الإبادة، في مدن سطيف، قالمة، وخراطة، وفي إقليم قسنطينة شرق الجزائر، الزمان: 8 أيار/مايو 1945. ماذا جرى في ذلك اليوم الذي يعتبره المؤرخون بعد مرور أكثر من سبعين سنة عليه، أنه كان «الفعل المؤسس» لثورة التحرير في الجزائر التي اندلعت بعده بنحو عشر سنوات، وقادت البلاد إلى الاستقلال؟

في ربيع تلك السنة انضوى الوطنيون الجزائريون تحت لواء جمعية «أصدقاء البيان والحرية»، أسسها فرحات عباس، وضمت إلى جانب التيار المعتدل الذي كان يمثله، ممثلون عن جمعية العلماء المسلمين التي كان يرأسها في ذلك الوقت الشيخ البشير الإبراهيمي، خليفة الشيخ عبد الحميد بن باديس، وعن حزب الشعب الجزائري بزعامة مصالي الحاج، أب الوطنية الجزائرية، وأول من رفع راية الاستقلال عن فرنسا.

ونظم هؤلاء جميعاً مظاهرات خاصة بانتصار الحلفاء على ألمانيا النازية في 8 أيار/مايو 1945. فخرج الجموع في أنحاء البلاد. و في مدينة ستيف حمل المتظاهرون  الأعلام الوطنية. فكان ذلك مثيرا لحفيظة المستوطنين و رجال الشرطة. وانطلقت الشرارة الأولى التي سرعان ما أشعلت معركة حامية تردد صداها في جميع مدن قسنطينة. وطغت على التظاهرات التي عمت مختلف المدن الجزائرية شعارات حزب الشعب الأكثر جرأة، وطالب أنصاره بإطلاق سراحه من المنفى الذي أرسل إليه في مدينة برازافيل الافريقية. وانتهى ذلك اليوم ببضع عشرات من القتلى والجرحى منهم 102 قتيل فرنسيا.

كان رد السلطات الاستعمارية الفرنسية  على السكان الذين نزلوا إلى شوارع مدينة ستيف، في غاية القسوة و العنف الكولونيالي الأعمى، إذ سقط حوالي «45000 شهيدا» بحسب إحصائيات السلطات الجزائرية الرسمية، في حين تتحدث السلطات الفرنسية عن عدد القتلى  يتراوح بين 15000 و 20000 قتيلا.

مسلمون يمشون عن عند الجامع الكبير في باريس.
أسطورة تمدن الكولونيالية الفرنسية: (في الصورة مسلمون يمشون عند الجامع الكبير في باريس) رغم كل حقيقة تاريخية، يدافع الممثلون الفرنسيون عن أسطورة الكولونيالية بوصفها رسالة حضارية و تمدينية متطابقة مع المثل والقيم التي اشتهرت فرنسا بالدفاع عنها في هذه الأرض الجزائرية. بينما يحتاج طي صفحة الماضي الكولونيالي، إلى شجاعة سياسية وأدبية وأخلاقية عالية، من الجانبين الفرنسي و الجزائري، فالتاريخ لا يطوي صفحاته من تلقاء نفسه، كما يرى توفيق المديني.

منظمة إرهابية فرنسية تقول إن «الجزائر فرنسية وستبقى فرنسية»

بعد خمس وخمسين سنة من نهاية الحرب الجزائرية، لا يزال القتلة من منظمة OAS -التي كانت تدافع عن بقاء الجزائر فرنسية- الذين قتلوا عدة آلاف من الجزائريين، وقاموا بعدة عمليات إرهابية في ذلك الوقت، في المستعمرة و المتروبول  لعل أشهرها محاولة اغتيال الجنرال ديغول في 8 سبتمبر 1961، قبل ستة أشهر من إبرام إتفاقية إفيان عام 1962، هؤلاء القتلة يتم تكريمهم رسميا في بعض البلديات الفرنسية في ظل الصمت و التواطؤ من قبل أعضاء الحكومة الفرنسية والمسؤولين الرئيسيين للأغلبية الحالية، كلهم يحبون السلطة أكثر مما يحبون الحقيقة التاريخية، خاصة عندما تؤثر مباشرة على مصالحهم الانتخابية وتحالفاتهم السياسية المحلية.

إذا كانت فرنسا فتحت خزائن الذاكرة التاريخية بسبب الجرائم التي ارتكبت في الحرب العالمية الأولى 1914-1918، وفي الحرب العالمية الثانية 1939-1945، حين تعاون نظام الماريشال بيتان مع النازيين، فإنه آن الأوان لكي تفتح الخزانة الثالثة للذاكرة التي تحتوي على جرائم ارتكبت باسم فرنسا إبان الثورة الجزائرية، فيما كان يعرف فيما مضى بالحقيقة التاريخية أصبح الآن حقيقة سياسية يبين فيها الواجب و الأخلاق.

إن صعوبة المقاوم للنازية فرانسوا ميتران في مواجهة العميل فيشي،هي الصعوبة عينها التي يواجهها اليوم زعماء فرنسا بسبب جرائمها في الجزائر، إذ إن الوقائع التاريخية ماثلة اليوم أمام الجميع. وهي معلنة وصريحة، وتتحمل مسؤوليتها حكومة الجمهورية الفرنسية الرابعة المتمتعة بسلطات استثنائية، والتي خططت وأمرت وغطت على الجرائم التي ارتكبتها القوات الفرنسية في الجزائر في مواجهة المقاومة الوطنية التحررية، بوصفها تتناقض كليا مع كل القوانين الإنسانية، بما فيها قوانين الحرب.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.