آن أوان أن تفتح فرنسا ذاكرة جرائمها تجاه الجزائر

إن الواجب الذي فرض نفسه على فيشي يفرض نفسه اليوم على الجزائر، إذ إن الجانب الاستعراضي العام و التفاخري الذي قام به الجنرال أوساريس عبر كتابه الذي دوّن فيه جرائم الحرب، يفرض على الدولة الفرنسية واجب القيام بالاعتذار التاريخي.أما صمت السلطات العليا في الدولة و عدم القيام بهذا الاعتذار، فإنهما يعنيان القبول بالديالكتيك الإجرامي الذي يضطلع بمسؤوليته المنظم السابق لحملة الإرهاب و القتل في الجزائر الجنرال أوساريس و سواه من العسكريين .

شعار منظمة الجيش السري OAS الفرنسية. commons.wikimedia
منظمة إرهابية فرنسية تقول إن «الجزائر فرنسية وستبقى فرنسية»: تُعتَبَر منظمة الجيش السري OAS منظمة إرهابية فرنسية. تأسست عام 1961. وهي تضم المناصرين للأطروحة القائلة إن الجزائر فرنسية. وترى المنظمة أن الإرهاب وسيلة مشروعة لتحقيق ذلك. أول ظهور للاختصار OAS كان على جدران عاصمة الجزائر مصحوباً بشعار: "الجزائر فرنسية وستبقى فرنسية".

إن المسألة لم تعد قضية المؤرخين، كما زعم في السابق رئيس الحكومة السابق ليونيل جوسبان ، فقد قام هؤلاء المؤرخون أمثال: "بيير فيدال ناكيت" و "بنجامين ستورا" ، بأعمالهم منذ وقت طويل، حين فضحوا ممارسات الجيش الفرنسي أثناء حرب الجزائر. المسألة هي سياسية بامتياز. وهي من دون شك قضائية أيضاً.

لقد كانت السلطات الفرنسية باسم الصراع ضد الحصانة من العقاب، تطالب لندن بتسليم الجنرال الراحل أوغيستو بينوشيه لمحاكمته في فرنسا في بداية الألفية، وأيضاً بالنسبة لقيادات الخمير الحمر التي ارتكبت جرائم إبادة ضد شعبها في كمبوديا، وكذلك بالنسبة لمجرمي الحرب في يوغوسلافيا، تطالب بتقديمهم إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، في حين أنها ترفض تقديم مجرمي الحرب في الجزائر إلى المحاكمة، لا سيما تقديم الجنرالين ماسو وَ أوساريس، اللذين اعترفا بارتكاب جرائم التعذيب.

وكان أوساريس أعلن أنه ليس "نادما أو آسفا"، قائلا إنه تم إقرار التعذيب على أعلى المستويات بالحكومة الفرنسية وكان ذلك ضروريا للحصول على معلومات استخبارية. وبموجب شروط العفو ما بعد الحرب لم يكن بالمستطاع محاكمته بارتكاب جرائم حرب. وبدلا من ذلك، حوكم و أدين لكونه اعتذر عن جرائم الحرب – وهي جريمة يعاقب عليها بالغرامة. كما جرى تجريده من رتبته العسكرية ووسام جوقة الشرف وهو أعلى الأوسمة في فرنسا.

رغم كل حقيقة تاريخية، يدافع الممثلون الفرنسيون عن أسطورة الكولونيالية بوصفها رسالة حضارية و تمدينية متطابقة مع المثل والقيم التي اشتهرت فرنسا بالدفاع عنها في هذه الأرض الجزائرية. بينما يحتاج طي صفحة الماضي الكولونيالي، إلى شجاعة سياسية وأدبية  وأخلاقية عالية، من الجانبين الفرنسي و الجزائري، فالتاريخ لا يطوي صفحاته من تلقاء نفسه.

كما أنه من الصعب جدا تجاوز تاريخ الذاكرة لشعب بأكمله، حتى وإن أسهم المؤرخون في ردم الهوة المحفورة بين فرنسا و الجزائر. ثم إن مواقف  الرئيس الفرنسي الجديد ماكرون  بشأن نقده للماضي الكولونيالي  والتي لاقت ترحيبا واسعا في الجزائر، تقتضي أن تقدم فرنسا اعتذاراً واضحا للشعب الجزائري، حتى يستطيع تجاوز تاريخ الألم.

 

 

توفيق المديني

حقوق النشر: توفيق المديني  2017

ar.Qantara.de

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.