غير أنَّ المسؤولين في حكومات الغرب كانوا لا يريدون مواجهة مثل هذه الحقائق وبدلًا من ذلك كانوا مشغولين بأكبر قدر من التملُّق الذاتي ومداهنة الذات متحدثين عن "قيمهم المُقْنِعة" ومركِّزين على إنجازات مفترضة تحقَّقت في أفغانستان منذ عام 2001، ومتحدثين عن ديمقراطية على الرغم من عدم حدوث أي انتقال ديمقراطي للسلطة في أفغانستان خلال العشرين سنة التي سبقت استعادة طالبان السيطرة على كابول.

ما من شكّ في أنَّ هذا لا ينطبق على الأفغان الذين خاطروا بحياتهم وذهبوا فعلًا إلى صناديق الاقتراع، بل ينطبق في المقام الأوَّل على تلك النُخب الفاسدة التي وصلت إلى السلطة في كابول عن طريق الولايات المتَّحدة الأمريكية، فقد استغل رجالٌ مثل حامد كرزاي أو الرئيس الهارب أشرف غني النظام الجديد وقوَّضوه من الداخل لأغراضهم الخاصة واستخدموا دائمًا تزوير الانتخابات من أجل البقاء في السلطة.

ومثلهم تصرَّفت أيضًا جهاتٌ فاعلة أخرى داخل أفغانستان ومن بينها مثلًا كثيرون من أمراء الحرب وأرباب تجارة المخدرات المعروفين، الذين أصبحوا من أقرب حلفاء الغرب في جبال الهندوكوش، مالئين للجيوب وجامعين للثروات من أموال المساعدات الخارجية الكبيرة وناقلين لمليارات الدولارات إلى خارج أفغانستان.

وهم في الوقت نفسه من أكبر المستفيدين من الحرب، مثلًا بفضل شركات أمن خاصة أنشأوها بأنفسهم لتفتعل هجمات وهمية على قوَّات الناتو وحصلوا على إثر ذلك على عقود مربحة من حلف الناتو نفسه من أجل التكفل بمواجهة خطر إرهابي مزعوم.

 

 

تطورات تنبئ بالفشل بات من الواضح -منذ نهاية عام 2019 على أبعد تقدير- أنَّ المسؤولين في واشنطن وغيرها يعرفون عنها كلَّ شيء. فقد نشرت في ذلك الوقت صحيفةُ واشنطن بوست ما يُعرف باسم "أوراق أفغانستان"، التي اعترف فيها إلى حدّ ما نحو أربعمائة من كبار المسؤولين الأمريكيين بفشلهم في أفغانستان، وقد ظلت تفاصيل ذلك محفوظة بسرية طيّ الكتمان طيلة سنوات.

ولكن لا أحد يريد في هذا الوقت الحديث حول ذلك أيضًا، بل يتم الاستناد على كل ما هو ظاهر فوق السطح والتأكيد على أنَّ حركة طالبان خرجت من العدم لتفاجئ أفغانستان والغرب، ويتم الادعاء بأنه قد تم بذل أقصى الجهود في أفغانستان بأعلى مراتب المعرفة والضمير وبأن هذه الجهود لم تثمر عن نجاح بسبب سوء الحظ.

وها هو الغرب -بعد عشرين عامًا من تدخُّل فاشل أودى بحياة مئات الآلاف من الأفغان وجعل الملايين منهم لاجئين ودفعهم إلى الفقر- لم يفقد فقط اهتمامه بأفغانستان بل أيضا أصبح الغرب لا يشعر بأية مسؤولية عن بلوى الأفغان وتعاستهم، بل يتم اختزال المأساة في توصيف ثقافوي يلقي باللوم على ثقافة الأفغان ويهوّن من مسؤولية الغرب بالقول: "هذه طبيعة الأفغان في الواقع، وهذا ليس ذنبنا نحن في الغرب"، توصيف أصبح يتردَّد صداه الصوتي بقوة خصوصًا إبان خروج قوات الناتو واستعادة طالبان السيطرة على أفغانستان.

 

 

عمران فيروز

ترجمة: رائد الباش / ع.م

حقوق النشر: موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة