لم تر الحركة النسوية التونسية النور في عهد بورقيبة، إذ تم السطو عليها بُعيد نشأتها سنة 1955 إثر خطاب إحدى رائدات الحراك النسوي التونسي، بشيرة بن مراد (1913-1993). كانت بشيرة أول تونسية تمازجت فلسفتها النسوية مع تعاليم الإسلام التي نشأت عليها، ومع تعليمها الزيتوني على أيدي ثلاثة من أبرز علماء الزيتونة، منهم محمد مناشو، الذي تتلمذت على يديه في البيت. فقد أسست الاتحاد النسائي الإسلامي سنة 1936، الذي تفرع منه قسم للفتيات أشرفت عليه مجموعة من النسويات، من مثل توحيدة بالشيخ، أول طبيبة في العالمين المغاربي والعربي، وأسماء بلخوجة الرباعي، أولى المساهمات في الحركة الوطنية الدستورية التونسية.

 

الحبيب بورقيبة وزوجته في منزل النسوية بشيرة بن مراد في أواخر الأربعينات. تقف الناشطة النسوية أسماء بلخوجة مباشرة وراء بورقيبة الذي لم يكن قد أصبح رئيسًا بعد، وإلى اليمين منه زوجته الفرنسية ماتيلد لوران التي عرفت باسم مفيدة، وإلى اليسار منه مستضيفته بشيرة بن مراد.
الحبيب بورقيبة وزوجته في منزل النسوية بشيرة بن مراد في أواخر الأربعينات. تقف الناشطة النسوية أسماء بلخوجة مباشرة وراء بورقيبة الذي لم يكن قد أصبح رئيسًا بعد، وإلى اليمين منه زوجته الفرنسية ماتيلد لوران التي عرفت باسم مفيدة، وإلى اليسار منه مستضيفته بشيرة بن مراد.

 

نادت بشيرة بن مراد بنشر المدارس وثقافة تعليم الفتيات. وجاء خطابها منبعثًا من واقعها التونسي البحت، وإن كان محل نقد النسوية المعاصرة، نظرًا لتأثير خلفيتها الإسلامية المحافظة عليه. فهي سليلة الشيخ صالح بن مراد، محرر كتاب «الحداد على امرأة الحداد»، الذي انتقد فيه  إلى حد التكفير الطاهر الحداد صاحب الكتاب الشهير «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»، الذي ألهم مجلة الأحوال الشخصية التونسية. إلا أن هذا التناقض لا يجرّد بن مراد من شرعيتها كأول رائدة نسوية تونسية. فتكوينها الزيتوني لم يمنعها من المشاركة في الحياة السياسية والمباشرة بتأسيس أول اتحاد نسائي في تونس.

ما إن بانت بوادر بزوغ فكر نسوي تونسي مع خطاب بن مراد، حتى تزعزعت ثقة بورقيبة بنفسه. فقد هدد حضورها ثقته في الاستحواذ على الأنظار والحديث باسم النساء، وهو الذي نصّب نفسه باعث الدولة التونسية الحديثة. لذا، لا يمكننا أن نستغرب إقصاء بن مراد حينها، إذ لم تكن لبورقيبة أي نية في اقتسام شعبيته عند الجماهير المنصهرة والمنسجمة مع خطاباته الأخّاذة حينها. ورغم أن نجاح بن مراد امرأة في مسعاها آنذاك كان غير مؤكد نظرًا لمكانة المرأة الدونية مجتمعيًا بُعيد الاستقلال، فقد صدّ بورقيبة قد كل الأبواب في وجهها حتى يجهض أي مشروع قيادي قد كان في نيتها.

لم تكن بن مراد نسوية فحسب، بل كانت اهتماماتها شاملة وجامعة لمواضيع حارقة في ذلك الوقت. فلم ترَ النسوية بعدسة أحادية منحصرة في قضايا المساواة والتعليم، بل كانت تعي أن المرأة لم تكن تعاني من الهيمنة الأبوية فحسب، بل كذلك من الاستعمار. وكانت تثق في قدرتها على المشاركة في الحركة التحررية ضد الاستعمار، إذ كانت من الحاضنين الأوائل لبورقيبة في بدايات نضاله، قبل أن يتم إقصاؤها والتضييق عليها في عهده وعهد من جاء من بعده، لينتهى حالها قابعة تحت ما يشبه الإقامة الجبرية، في مسكن جماعي لا إنساني، يعرف بـ«الوكالة» في تونس.

ماتت بن مراد فقيرة ومنسية، ولم يُسمح بالاحتفال بذكراها حتى في الأعمال الفنية، مخافة فتح دفاتر الماضي. ففي مقابلة صحفية مع المخرجة السينمائية سلمى بكار، صرّحت الاخيرة بأنها لطالما أرادت إدراج اسم بشيرة بن مراد في فلمها «فاطمة 75» الذي احتفى بأسماء نسائية تونسية عدة، إلا أنه قد تم التضييق عليها من قبل الرقابة في عهد الدكتاتور المخلوع زين العابدين بن علي، التي ضغطت على المخرجة حتى لحذف الجزء الذي يلقي الضوء على بن مراد. كان هذا التعتيم المتواصل على سيرة بن مراد يعكس الخوف الكامن من بروز حركة نسوية مستقلة لا ترتضي الهيمنة الأبوية عليها.

ورغم تواجد منظمات محلية أيام العهد البائد، مثل منظمة النساء الديمقراطيات، إلا أن نشاطها كان دائمًا رهن الحدود المرسومة من قبل النخبة الذكورية الحاكمة. فكثيرًا ما كانت النساء الناشطة في المنظمة منصاعة للنظام الدكتاتوري لزين العابدين بن علي، لا بل أيّدن ضمنيًا، بصمتهن، التمييز الممنهج ضد المرأة الريفية والإسلامية على وجه الخصوص. وما انفك بن علي في استعمالهن لتنميق واجهة تونس التي أراد تسويقها للغرب، وللتغطية عن انتهاكات عدة لحقوق الإنسان وانعدام حرية الرأي على أرض الواقع.

تمسكت الأنظمة القليلة المتتالية علينا بخطاب تفوق تونس على العالم العربي في مادة حقوق المرأة، للتشويش عن الكثير من المشاكل التي كانت تشوب البلاد، من فساد وقمع واضطهاد. فقد كانت النخب الذكورية حريصة على استهلاك خطاب تحرري تقدمي يعود عليها بالثناء ويغطي على جرائم اقتُرفت في حق التونسيين والتونسيات، خاصة الإسلاميات منهن، من ترويع وترهيب وتعذيب جسدي ونفسي، وحتى قتل، في سجون بورقيبة وبن علي.

ولو أن الكثيرين في العالم العربي يتطلعون لتونس اليوم كمثال يقتدى به، إلا أن كثير منهم يجهلون حيثيات ودوافع هذا التميز. سبب هذه المغالطة يقع بالأساس على عاتق البروباغاندا المصاحبة لإعلان القوانين المساندة للمرأة.

فمع كل مقترح قانون يخصنا نحن التونسيات، يصحب الحدث مشهدية وصخب مسيّس للتضليل والتغطية عن الواقع الذي لا يزال يتطلب الكثير من الجهد والحراك. والمقارنة المتواصلة بين حال المرأة التونسية وتلك العربية والمغاربية تسعى لتشتيت انتباهنا وابتزازنا ضمنيًا لإسكاتنا عن ما يشوب وضعنا الحالي، وجعلنا نحمد الله على تميزنا عن باقي العربيات.

كل ذلك من أجل أن نبقى دائمات الانشغال عن المطالبة بالمزيد، قابعات ننتظر من قائد آخر أن يتكرم علينا بمقترح قانون جديد، لينمق به واجهة نظامه أو يغطي به إحدى الزلات.

 

عفيفة اللطيفي

حقوق النشر: موقع حبر 2019

عفيفة اللطيفي باحثة تونسية في مرحلة الدكتوراه في الدراسات الإفريقية بجامعة كورنيل الأمريكية. حاصلة على إجازة في اللغة والأدب الإنجليزي، وعلى شهادة ماجستير في الدراسات عبر الثقافات من المعهد العالي للغات في تونس. سبق وأن نشرت مقالات باللغة الإنجليزية في مواقع Urban Africa وAljazeera English وOpen Democracy.

نشرت نسخة أولى من هذا المقال في مدونة «نحو وعي نسوي» في 8 كانون الثاني/يناير 2018.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.