مواقع التواصل الاجتماعي كأداة مهمة للتقدم

العامل الثاني الذي ساهم في تقدم النساء في العقد الأخير هو الأزمات الاقتصادية التي عصفت بالبلاد، قبل وخاصة بعد الثورتين، وأثرها اللاحق على الاقتصاد. فالنساء اللواتي نزلن إلى الشوارع لمدة ثمانية عشر يومًا قي يناير ٢٠١١، وعدن مجدداً إلى الثورة في يوليو ٢٠١٣، لم يجدن أي حرج في أن يُشمرن عن سواعدهن والبدء بالعمل، ودخلن في مجالات عمل كان يهيمن عليها الرجال حتى سنوات قليلة مضت. فلم يعد رؤية النساء ممن يعملن كنجارات أو سمكريات أو عاملات في الكهرباء أو كميكانيكية سيارات أمرًا مثيرًا للدهشة. ليس هذا فقط، بل وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في توسيع آفاق النساء، وساهمت في إدراكهن بأنه ليس هناك شيء يتعذّر تحقيقه.

لقد ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي وفيديوهات اليوتيوب التعليمية النساء في كافة أنحاء الجمهورية، وخاصة في المجتمعات المحافظة التي تحد من حركتهن وكثيرا ما تعرقل أحلامهن، على البدء بمشروعات منزلية صغيرة.  فبضغطة زر واحدة، تتعلم النساء في أي مكان في مصر الحرف على شبكة الانترنت، وتسوقن لمنتجاتهن على وسائل التواصل الاجتماعي، محققات بذلك دخلاً لهن ولعائلاتهن. فالأعمال التجارية المنزلية كخدمة إعداد الطعام والمخبوزات وصنع المجوهرات والحلي والهدايا المصنوعة يدويًا هي من بين أبرز الأعمال التجارية التي تنشئها النساء، والتي تحقق لهن استقلالاً اقتصادياً.

 

 

إدراك قوة المرأة

إلا أنه ما كان لشيء أن ينجح دون نظام دعم قوي يؤمن بحقوق المرأة وبالمساواة، نظام يشكل قوة دافعة لإحداث التغيير لهن. فبإدراكها لقوة النساء، تعمل الإدارة الحالية منذ اليوم الأول على تمكين النساء على المستوي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. ولا يمكن تجاهل أو التغاضي عن جهود الحكومة المصرية منذ عام ٢٠١٣، فمصر لم تشهد منذ زمن حكومة تتبني وتدعم المرأة دعما كاملا على كافة المستويات وفي كافة القطاعات.

الطريق لتحقيق التطور والتنمية الشاملة طويل وصعب، وملئ بالعواقب والتحديات في كل أركانه. إن الضرر الذي حدث خلال عقود لا يمكن عكسه بين ليلة وضحاها. إلا أن هناك خطوات بطيئة جدًا تحدث، وكل تغيير إيجابي هو تغيير في الاتجاه الصحيح. ومع الاهتمام العالمي والمحلي بالنساء وقضاياهن، فإننا نشهد ولادة مبادرات جديدة كل يوم تحاول إحداث تغيير إيجابي ومساعدة النساء على إدراك قوتهن وفاعليتهن. ولعل مبادرة «سيدات مصر» هي خير مثال على هذا.

إن المهمة الرئيسة لمبادرة «سيدات مصر»، والتي أُسست في يناير ٢٠١٦، تعمل على تمكين نساء مصر وذلك بالتركيز على أهم القضايا التي تعرقل نموهن، وبتسليط الضوء على مشاكل عدم المساواة بين الجنسين، وبإحداث التغيير الاجتماعي والثقافي والمهني لهن. ومن خلال صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي ومنشوراتها على شبكة الانترنت، تقدم مبادرة «سيدات مصر» للنساء المصريات منصة دعم على الانترنت تساهم في إلهامهن وتشجعيهن وتمكينهن. كذلك تتابع المبادرة الأخبار وتكشف الانتهاكات ضد المرأة أو قضاياها، وتطلعهن على القوانين التي تصدر لصالحهن أو ضدهن. بالإضافة إلى ذلك، فهي تمنحهن وسيلة آمنة للتعبير عن اهتماماتهن وأفكارهن وتحفزهن على الدفاع عن حقوقهن والمطالبة بالتغيير.

هذا وتعد قيادة الحركات النسائية في المجتمعات الميسوجينية (الكاره أو المعادية للمرأة) والمجتمعات الأبوية أمرًا مليئًا بالتحديات. لأن كل حق تكتسبه المرأة لتحقيق المساواة يكون عادةً حقاً فقده الرجل. ففي سبيل الحفاظ على الوضع الراهن ونفوذهم الذي يفرضونه على النساء، والذي توارثوه عن أسلافهم، يدافع الرجال بكل ما أوتوا من قوة لعدم التنازل عن أي من حقوقهم التي ينعمون بها بدون حق.

الطريق إلى المساواة بين الجنسين هو طريق طويل وملئ بالتحديات. وكذلك هي الدعوة لإحداث التغيير الإيجابي في حياة النساء، إلا أن دعاوي التغيير تؤتي ثمارها على المدى البعيد، ذلك لأن الناس يتوقون للتغيير إلى الأفضل إذا ما تم توجيههم على الطريق الصحيح. التغييرات الكبيرة هي تتويج لجهود صغيرة متواصلة ودؤوبة، حتى وإن أدت الي تحسين وتطوير حياة امرأة واحدة في المرة.  المدافعون عن القضايا المختلفة يشكلون قوة من أجل التغيير، والناس يخشون التغيير، حتى أولائك الذين يستفيدون منه. إن تغيير المفاهيم العقلية هو أمر صعب، إلا أن العمل الجاد والمثابرة هي أدوات قوية في سبيل الارتقاء بوضع البشرية نحو الأفضل عندما توظف وتستخدم بحكمة لتحسين حياة الآخرين.

البشرية نحو الأفضل عندما توظف وتستخدم بحكمة لتحسين حياة الآخرين.

 

أليكساندرا كينياس

ترجمة: جورج سمعان

حق النشر: معهد جوته / "رؤية"2020

ألِكساندرا كينياس هي كاتبة سيناريو ومؤلفة روايات ومحامية متخصصة في الدفاع عن حقوق المرأة. شاركت في كتابة سيناريو فيلم "الخروج من القاهرة" المثير للجدل والذي مُنِع عرضه في مصر، وتم عرضه في دبي وتورونتو وميونخ وفي مهرجان تريبيكا السينمائي وفاز بجائزة أفضل فيلم غير أوروبي في المهرجان الأوروبي للفيلم المستقل في عام ٢٠١١. كما أُدرِج سيناريو فيلمها "عالم ليلى" ضمن القائمة القصيرة لمختبر راوي لكُتَّاب السيناريو في دورته لعام ٢٠١٠. تُنشَر مقالات كينياس في مختلف الصحف والمجلات والمدونات في مصر والولايات المتحدة الأمريكية، كما صدرت لها رواية بعنوان "زهور التيوليب السوداء" باللغة الإنجليزية وهي رواية مستوحاة من حياتها التي عاشتها في مجتمع يهيمن عليه الذكور. أما كتابها "كليوباترا وأخواتها" الصادر باللغة العربية فهو عبارة عن مجموعة من القصص الساخرة عن علاقات النساء في مصر. جدير بالذكر أن كينياس هي مؤسسة ورئيسة تحرير مجلة "نساء مصر" الإلكترونية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة