ما مدى فاعلية عمليات تنظيف الشواطئ؟

تدور المناقشات في الدوائر البيئية وغيرها عما إذا كانت علميات تنظيف الشواطئ تساعد في حل مشكلة النفايات في حين يستمر زوار الشواطئ برمي النفايات في كل الأحوال.

كيف لعمليات تنظيف الشواطئ أن تحدث أي أثر بدون تغيير ثقافتنا؟ إلا أن بعض الأشخاص يجادلون في أنه يمكن اعتبار عمليات التنظيف مظاهرات سلميّة خضراء لجذب انتباه زوار الشواطئ إلى مضار رمي النفايات وإلى جمال الشواطئ النظيفة. وبشكل غير مباشر، تضع عمليات التنظيف ضغطاً اجتماعياً على رماة النفايات. حيث أنها تتحدى المقبولية الكامنة وراء رمي النفايات وتساهم في تطبيع السلوكيات المناهضة لرمي النفايات.

وإذا ما شعر الناس بأن أفعالهم قد تلقى إدانة اجتماعية، فستقل إمكانية قيامهم بتلك الأفعال. أما الجانب الآخر من المعادلة فهي الحكومة. إذ تساهم عمليات التنظيف في دفع الحكومات لزيادة مجهودها في الإبقاء على شواطئنا نظيفة، وذلك بتوفيرها للمزيد من صناديق القمامة وحظر استخدام المواد البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد على الشواطئ، ومن ثم تدريجيًا في سياقات أخرى كالمحال التجارية.

مبادرة بانلاستيك مصر: عمليات تنظيف الشواطئ في الإسكندرية، مصر. ©Banlastic Egypt
لزيادة التوعية حول ضرورة تجنب استعمال المواد البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد، استخدم نشطاء البيئة موادًا تشاركيةً جديدة، كوسائل التواصل الاجتماعي، والورشات التفاعلية، وعمليات تنظيف الشواطئ، التي كانت فعالة في رفع درجة الوعي بأخطار البلاستيك. وبشكل غير مباشر، تضع عمليات التنظيف ضغطاً اجتماعياً على رماة النفايات، حيث أنها تتحدى المقبولية الكامنة وراء رمي النفايات وتساهم في تطبيع السلوكيات المناهضة لرمي النفايات.

 
وعلى نحو مماثل، لا يقتصر أثر التلوث البلاستيكي على الحياة البحرية فحسب: بل يمتد تأثيره أيضًا إلى مياهنا العذبة، عندما يصل البلاستيك إلى مكبات النفايات، والتي أغلبها غير منظم في مصر ويفتقر للعزل الأرضي الجيد. ومع وجود عدة عوامل أخرى، بما فيها الشمس والحرارة ونمو البكتيريا الهوائية وتفاعلات النفايات العضوية، يبدأ البلاستيك بالتفكك، ويترسب في التربة ويلوث المياه الجوفية.

وإذا ما استُخدمت هذه المياه للشرب أو الري لاحقًا، فإنها قد تؤدي إلى مشاكل صحية متعددة. كذلك، يزيد تراكم النفايات البلاستيكية في القنوات المائية وفي التربة من معدل التبخر، وبالتالي يساهم بشكل أكبر في شح المياه التي تعاني منه المنطقة بالأصل. ذلك لأنه عندما تتراكم النفايات البلاستيكية في التربة، فإنها تشكل قنوات حرة لحركة المياه والتعرض للغلاف الجوي. يخفض تراكم البلاستيك في القنوات من التدفق العام للمياه وبالتالي يزيد من فرص تبخر المياه قبل أن تصل إلى الأرض التي يفترض أن ترويها.

مصادرنا المائية في خطر

غير أن المشكلة لا تقف عند هذا الحد. فصناعة المياه المعدنية المعبأة والمعلبة هو عامل رئيسي في هذه الأزمة. فهذا هو إنما تصنيع للبلاستيك وليس الماء. إذ يستلزم كل لتر من المياه المعلبة استخدام ثلاثة لترات من المياه العذبة في عملية تصنيع الزجاجة البلاستيكية. ولا تلوث صناعة المياه المعبأة والمشروبات الغازية بمجملها البيئة فحسب، بل إنها تفاقم أزمة المياه أيضًا، حيث تحفر شركات تعبئة المياه آبارًا عميقة في القرى النائية لضخ المياه، مما يؤدي إلى نقص في المياه الضرورية للشرب والزراعة. ويغدو الوضع مأساويًا بشكل خاص في المناطق النائية حيث لا يتوفر للناس التكنولوجيا المطلوبة لاستخراج المياه من الأعماق السحيقة لتلبية احتياجاتهم اليومية.

ولعل قرية بلاشيمادا في كيرالا، الهند، خير مثال على ذلك. حيث استخدم مصنع لشركة كوكاكولا المياه الجوفية للقرية لصناعة الزجاجات البلاستيكية وأعادها مجددًا إلى الأنهار المجاورة، الأمر الذي أدى إلى اضمحلال المياه الجوفية المستخدمة للري، بالإضافة إلى تلويث مياه الشرب.

ورفع البانشيات، مجلس القرية، دعوى قضائية في المحكمة العليا لوقف عمليات المصنع. ولربح الدعوى، كان عليهم دعم مطلبهم بدلائل علمية. وقد شارك العديد من جماعات ضغط وأطراف مختلفة في العملية حتى ربحت القرية الدعوى في نهاية المطاف بدعم من معاهد البحوث الدولية. وما من شك في أن هذه القصة ليست الأولى ولا الأخيرة. حيث أنه من الشائع جداً أن تناضل القرى حول العالم للوقوف في وجه الشركات الكبرى التي تستنفد أو تستنزف أو تلوث مصادرها الطبيعية وتعرقل وصولها للمياه النظيفة – كل ذلك لخدمة تصنيع المواد البلاستيكية ذات الاستعمال لمرة واحدة.
 
هذا، ومن الممكن وبسهولة تفادي النفايات البحرية عبر مقاطعة المواد البلاستيكية ذات الاستعمال لمرة واحدة.

دعونا نعد إلى الحكمة العملية لجداتنا: وذلك بإحضار أوعيتنا الخاصة لشراء الفول، واستخدام الشبك عند شراء الخبز البلدي، واستخدام الأكياس القماشية عند التسوق، وإعادة تعبئة العبوات الزجاجية، وأخيراً وليس آخرًا، مقاطعة هذا الهراء المتمثل بالمصاصات البلاستيكية – أو، في حال كان لا بد لك من ذلك، لماذا لا تستخدم مصاصات مصنوعة من الستانلس ستيل أو الورق أو القصب؟
 
في المرة التالية التي تشتري فيها زجاجة مياه بلاستيكية ذات الاستعمال لمرة واحدة أو تستهلك الغذاء المغلف بالبلاستيك، اسأل نفسك: هل سأستمتع بوجبتي البلاستيكية لهذا اليوم؟!

 

الكاتبة: منار رمضان

منار رمضان هي عضو مؤسس في المنظمة غير الحكومية" بلانستيك مصر"  التي تعمل على حجب البلاستيك أحادي الاستخدام في مصر. تحمل منار شهادة بكالوريوس في الهندسة الهكروميكانيكية وماجستير في ممارسات التنمية المستدامة.

ترجمة: جورج سمعان

حق النشر: معهد جوته / "رؤية" 2020

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة