عملية تجميل

تستغل الحكومة الجزائرية غياب القوانين الناظمة للصحافة الإلكترونية والمواقع الإخبارية، بل وتتلكأ في سدّ هذا الفراغ القانوني المفارق للعصر، لفرض خياراتها وأجنداتها على تلك المواقع وإدخالها بيت الطاعة، خاصة أن الحكومة هي التي تتحكم في سوق الإعلان العمومي وتحديدا بنسبة 70 في المائة، بل وتمارس ضغوطاً على الشركات الخاصة لمنعها من تمويل المؤسسات الإعلامية والمواقع المعارضة.

الباحث الجزائري نور الدين بسعدي.
الحكومة الجديدة تريد إعطاء صورة لـ"جزائر جديدة": يرى الباحث الجزائري نور الدين بسعدي أن "معظم الجهود المبذولة حاليا تتجه للأسف إلى حالة من التضييق على الصحافة الإلكترونية في خضم التصويت على قانون مكافحة الكراهية والقانون الجبائي المعدل، اللذين يرى الملاحظون أنه يراد من ورائهما التضييق أكثر على حرية الصحافة والرأي". ويضيف أن المواقع المحجوبة منخرطة في الحراك وتغطي أخبار سجناء الرأي بصفة مستمرة وهذا ما يقلق الحكومة الجديدة التي تريد إعطاء صورة لـ"جزائر جديدة" بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة ومحاولة تطبيع الأمور". والمقصود بـ"تطبيع الأمور"، تقبّل فكرة أنّ الانتخابات الرئاسية أجريت في سياق يرفضه غالبية الجزائريين.

ورغم أنّ قانون الإعلام المعدل في الجزائر أقر اعترافاً بواقع الصحافة الحديثة والمواقع الإلكترونية، إلا أنّ الجزائر ما زالت تفتقد لنص قانوني واضح ينظم هذه المجال، وهو ما يستغله الرئيس تبّون جيدا لمعاقبة المواقع التي لا تروق له.

وجدير بالذكر أنّ الظروف التي حفّت بانتخاب الرئيس الجديد كانت محل جدل في الجزائر، إذ استمرّت المظاهرات المطالبة بعدم اجراء الانتخابات قبل رحيل "العصابة الحاكمة" السابقة وتطهير مؤسسات الدولة منها إلى يوم الاقتراع الذي قسّم الجزائريين حينها وتسبب في عزوف الملايين عن الإدلاء بأصواتهم، ما جعل شرعية تبون تعتمد بالأساس على دعم الجيش.

ولم يكن الوضع ليستتبّ لتبّون لولا تفشي فيروس كورونا الذي أثر كثيرا على الحراك المناهض لانتخابه، بحسب قراءات كثيرة. فالرئيس مازال يخشى عودة الجزائريين إلى الشوارع بمجرّد احتواء الجائحة، ولهذا يتحسس من الآراء المعارضة ويعزز حملته ضدّها.

ويتفق الباحث الجزائري نور الدين بسعدي مع هذا الرأي. ويقول: "معظم الجهود المبذولة حاليا تتجه للأسف إلى حالة من التضييق على الصحافة الإلكترونية في خضم التصويت على قانون مكافحة الكراهية والقانون الجبائي المعدل، اللذين يرى الملاحظون أنه يراد من ورائهما التضييق أكثر على حرية الصحافة والرأي".

ويضيف أن المواقع المحجوبة منخرطة في الحراك وتغطي أخبار سجناء الرأي بصفة مستمرة وهذا ما يقلق الحكومة الجديدة التي تريد إعطاء صورة لـ"جزائر جديدة" بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة ومحاولة تطبيع الأمور".

والمقصود بـ"تطبيع الأمور"، تقبّل فكرة أنّ الانتخابات الرئاسية أجريت في سياق يرفضه غالبية الجزائريين، وعبروا عن ذلك في مسيرات حاشدة، إذ لم يتقبّلوا فكرة إجراء الانتخابات قبل محاكمة رموز النظام السابق، وعزل أنصاره من مؤسسات الدولة وتحييدهم عن العملية الانتخابية ضمانا لشفافيتها ومنعا للخروقات التي تؤثر على مصداقيتها، وهذا ما لم يحصل.

وفور وصوله الى سدة الحكم، يحاول الرئيس جاهدا تجميل حكمه الهشّ، ولا يبدو أنّ ما تتعرض له الصحافة والمواقع الإلكترونية من عقاب جماعي هو كل الحكاية، إنما مجرّد قمة جبل الجليد في استراتيجيا مكتملة القوام تهدف إلى فرض الأمر الواقع.

فالتضييق على نشطاء حرية التعبير ورموز الحراك الشعبي، والسياسيين المعارضين، يتزامن مع جدل دستوري فرضته رئاسة الجمهورية، ولعل مسودة الدستور الجديد الذي تم الكشف عنه خير دليل على نوايا عبد المجيد تبّون، فالرجل متمسّك باستنساخ تجربة النظام السياسي (الرئاسويّ) والذي يكون فيه للرئيس صلاحيات واسعة، رغم مطالبات كثيرة بالتوجه نحو نظام برلماني ديمقراطي يراقب الرئيس ويسائله.

ولا يبدو الجيش النافذ والمتحكم بمفاتيح السياسة الجزائرية بعيدا عن هذه النوايا خاصة وأنه دفع بتبّون للحكم، فقد فرضت المؤسسة العسكرية انتخابات رئاسية سريعة تعيد الأمور الى نصابها بعد استقالة بوتفليقة، عوضا عن تحوّل ديمقراطي كامل وجذري، يأتي بجيل جديد من السياسيين أو بوجوه من الحراك الشعبي الذي تجرأ على "قداسة وهيبة الجنرالات" في شعارات رفعت في الشوارع والساحات جهارا.

 

معاقبة المواقع الإخبارية التي لا تروق للحكومة في الجزائر.
معاقبة المواقع الإخبارية التي لا تروق للحكومة: تستغل الحكومة الجزائرية غياب القوانين الناظمة للصحافة الإلكترونية والمواقع الإخبارية، بل وتتلكأ في سدّ هذا الفراغ القانوني المفارق للعصر، لفرض خياراتها وأجنداتها على تلك المواقع وإدخالها بيت الطاعة، خاصة أن الحكومة هي التي تتحكم في سوق الإعلان العمومي وتحديدا بنسبة 70 في المائة، بل وتمارس ضغوطاً على الشركات الخاصة لمنعها من تمويل المؤسسات الإعلامية والمواقع المعارضة. ورغم أنّ قانون الإعلام المعدل في الجزائر أقر اعترافاً بواقع الصحافة الحديثة والمواقع الإلكترونية، إلا أنّ الجزائر ما زالت تفتقد لنص قانوني واضح ينظم هذه المجال، وهو ما يستغله الرئيس تبّون جيدا لمعاقبة المواقع التي لا تروق له.

 

ويبدو أنّ الرئيس تبّون اختار السلاح الأكثر شعبية في الجزائر التي استعمرت من طرف فرنسا لمدة قرن كامل، ألا وهو سلاح "العمالة والتخوين"، مستعينا بترسانة من الصحافة الموالية التي باتت عبئا على الانتقال الديمقراطي في هذا البلد.

ويبدو أنّ عنوان هذه المرحلة من تاريخ الجزائر يقوم على تمايز وفرز بين من هو "الوطنيّ" ومن هو "العميل"، في مفارقة تذكّرنا بالعشرية السوداء التي كان عنوانها فرز بين من هو "مسلم" ومن هو "كافر"، وفي كلتا التجربتين، تكون الديمقراطية هي الضحية الأبرز لذلك الفرز والاستقطاب المفتعل.

 

إسماعيل دبارة

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة