لكن مالك بن نبي لم يعطنا الصيغة التي نتعامل بها مع المعطى التاريخي التراثي فهو يطرح جملة من الإشكاليات في القراءة والفهم والتطبيق سواء في تفسير النص القرآني أو مصداقية الأحاديث النبوية –أمام الكم الكبير من الموضوع- وعلاقتها بالواقع وجدواها وفهوم علماء الإسلام مفسرين ورواة أحاديث وشراح عقيدة وكتاب تاريخ زخم تراثي كبير جدا يتاخم عقولنا ووجداننا وربما شكل في بعض جانبه عقبة في سبيل النهوض والارتقاء.

{الصوت المغاربي كان قويا ومعبرا عن الخصوصية الإفريقية والأمازيغية، إضافة إلى الميسم العربي والإسلامي الذي وُسِمَت به الثقافة المغاربية.} 

تلك المسألة التي بدأها الشيخ محمد عبده عبر "رسالة التوحيد" ثم طه حسين في "في الشعر الجاهلي" و"مستقبل الثقافة في مصر" وزكي نجيب محمود في "المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري"، ثم "محمود أمين العالم وبرهان غليون وعلي حرب ومحمد عابد الجابري وأدونيس وغيرهم وبيت القصيد في ذلك كله أن أصل إلى المفكر الجزائري محمد أركون صاحب الصيت الذائع، والذي كانت له مساجلات ومجادلات مع كلاسيكي الإسلام والمستشرقين على السواء.

فمحمد أركون منبوذ من الطرفين ومؤلفاته الأكاديمية ترجمت إلى جل لغات العالم وأهمها "الفكرالإسلامي" "النزعة الإنسية في القرن الرابع الهجري". ولهاشم صالح فضل كبير في تعريب مؤلفات أركون فهو أحد حوارييه. وباختصار فطرح هذا المفكر الجزائري لمشكلة التخلف وكيفية النهضة في التعامل مع التراث الإسلامي هو اعتبار الثقافة الإسلامية برمتها سواء كنصوص مقدسة وشروحات معطى تاريخيا خاضعا للشروط الزمكانية، ومن ثمة إضفاء المرونة في التعامل معها لصالح الحداثة.

{لم يغب الأدب الجزائري المكتوب بالعربية فبعض الكتاب تعلموا بالمشرق وأتقنوا لغات أجنبية فكان لهم إلمام بالأدب العالمي ووعوا الظروف الخاصة للجزائر المستقلة، ذاك البلد الطامح إلى العدالة الاجتماعية.}

ولا تحظى قراء أركون بالقابلية لدى قطاع عريض من المثقفين العرب بسبب هذا الطرح الذي يلح على التاريخانية في الفكر الإسلامي نصا وفهما. وربما للجانب السياسي دور في ذلك فالأنظمة الشمولية والاختلال الطبقي وهيمنة الأحادية السياسية والاقتصادية والفكرية تشجب مثل هذا الفكر الذي يدعو إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحرية الإنسانية كشرط للوجود الإنساني وفي المحصلة. 

فالفكر التنويري يعاني من التكتلات السياسية والدينية والاقتصادية التي تبقي الفاعلية في يد عدد محدود من الحكام وشراح النص المقدس والقابضين على دواليب الاقتصاد.

 

 

 
إبراهيم مشارة 
حقوق النشر: إبراهيم مشارة  2018

 

إبراهيم مشارة كاتب جزائري - هذا المقال من ورقة مقدمة لاتحاد الكتاب اللبنانيين ودار ناجي نعمان -جونية- لبنان
 
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : تأثير مغاربي قوي في حقول الفكر والفلسفة العربية

لقد نسية الجانب الاهم من الادبوهو الشعر الدي برزو فيه اكثر من امثال مفدي زكرياء الذي حطم كل الطبوهات

محمد05.01.2019 | 21:13 Uhr