ثم إن أي كلام عن التعايش وحوار الحضارات لا يمكن أن يتم أو يتحقق في هذه الأجواء الثقافية والسياسية السلبية المليئة بأمراض الأنا والاستكبار والتعالي. إذ ليس من شعار براق مغرٍ تطلقه السياسة الغربية، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلا عناوين لمشاريع سياسية لا تنتمي إلى ما تدعي. 

في المقابل نجد ان الاختلاف العرقي وفق الرؤية الإسلامية الإنسانية هو اختلاف في إطار الأمة الواحدة، يحتم احترام الآخر كما هو على الصورة التي خلقه الله عليها. ذلك أن احترام الآخر كما هو لونا ولسانا وعقيدة ومذهبا بل وفكرا، يشكل قاعدة من قواعد السلوك الديني في الإسلام، فكان من طبيعة رحمة الله تعالى اختلاف الشرائع والمناهج والألسن والألوان وطرائق التفكير.

قال تعالى: " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" المائدة، 48 .  وقوله تعالى: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين" هود، 118 . كما ركز القرآن على مبدا السلام ، نجد ذلك بين في قوله تعالى : "ولا تقولوا لمن ألقي إليكم السلام لست مؤمنا"؛ ومن أجل هذا فإن الله أمرنا أن نبذل ما نستطيع لننعم بهذه النعمة، فقال تعالى: "ادخلوا في السلم كافة" في هذه الآية أمر بالسلام العالمي. 

إلى هذا الحد نجد أن الحوار سنة إلهية وفطرة إنسانية، لكن عدم استنفاد الوسع في حل المشكلات بالحوار واللجوء قبل ذلك إلى القوة والتعصب، كما حدث ولا يزال يحدث في هذا العالم المليء بالصراع، الخاوي من ثقافة الحوار والتسامح في كثير من صراعاته وخلافاته المتزايدة ، خاصة مع تعقد المصالح وتشابكها وزيادة القوة الفتاكة في أيدي الناس، وهي أخطار تهدد البشرية جمعاء.                                   

المنهج الحواري في القرآن الكريم

وهكذا قام المنهج الحواري في القرآن الكريم على فرضية أن الأصل في الوجود الإنساني هو الحوار والتعايش، كما ان الأصل في الحوار هو الاختلاف، فلا يمكن الكلام إلا بوجود طرفين يشكلان حالة الاختلاف والتضاد، قد يكونا فردين أو فريقين أو قومين أو أمتين.

 

صورة رمزية عن الاختلاف - امرأة محجبة وامرأة شقراء
لا ينبغي الوقوع في فخ التمركز وإلغاء الآخر : "مع ما تقدم ذكره تسعى الآلية الثقافية الغربية المسيسة والمؤدلجة إلى تخريب وإزاحة قيم الآخر بتضخيم سلبياته ونواقصه عمدا، ومنها إقصاء الدين ورموزه وقيمه ومعانيه من الحياة. إن الفوقية والتمركز والسعي إلى إقصاء ثقافة الآخر والسخرية من جنسه أو لونه أو دينه، لا ينبغي أن تدفع المسلمين إلى سلوك مماثل تجاه الثقافات والأديان والشعوب الأخرى. لا ينبغي ولا يصح الوقوع في فخ التمركز وإلغاء الآخر، كما لا يكون بالمطابقة والتماثل مع الغرب ومسايرته بالتفكير والشعور والعيش.. وإنما بممارسة الاختلاف من موقع الحوار والتواصل وإظهار القدوة الحسنة التي تنتج في حياة المسلم سلوكا وحركة في الحياة، راقية مثمرة، ومشاركة في صنع الحضارة الإنسانية."، وفق ما يرى الباحث الأكاديمي العراقي الباحث في الفلسفة الإسلامية سامي محمود ابراهيم.

 

وهذا ما أكد عليه فيما بعد أساطين الفلسفة التداولية المعاصرة، حيث قرروا أن التحاجُج  الفلسفي التداولي هو فعالية استدلالية خطابية مبناها على عرض رأي أو الاعتراض عليه، وغرضه إقناع الغير بصواب الرأي المعروض، أو بيان بطلان الرأي المعترض عليه، الأمر الذي يجعل التحاجُج الفلسفي التداولي بناءً مثنويا تقابليا يتواجه فيه عارض ومعترض، إذ يتوجه فيه كل منهما بآليات إقناعية خاصة، وحقوق وواجبات محددة. 

هذه المقابلة المثنوية من شأنها تغيير تصديقات أو اعتقادات المتقابلين. لهذا تعتبر الفلسفة التداولية من أكثر الفلسفات تمسكا بمقتضيات العقلانية الصحيحة لما تحققه من شروط وضوابط ومعايير، لاعتمادها على آليات معلولة للمجال التداولي، وخاضعة لمحك النظر الاجتماعي، فالمناظرة الحوارية تساعد على فهم وتصور الواقع الاجتماعي الذي يقر بالمبادرة الفردية وبالنزعة الجماعية، وتطالب بإشراك جميع أفراد المجتمع في البحث عن حلول للمشاكل والأوضاع المختلفة، وتقبل وتشجيع عمليات التنقيح والتغيير. 

ولا شك أننا نحن المسلمين أحوج ما نكون اليوم إلى دراسة هذا النوع من الفلسفات كاستثمار عقلاني يفعل الحوار الداخلي بين مكونات الإنسان ذاته، والحوار الخارجي مع العالم المحيط بنا. خاصة في إطار ظروف التقهقر الحضاري الراهن. 

 

 

سامي محمود إبراهيم

حقوق النشر: سامي محمود إبراهيم / موقع قنطرة 2019

 
 
سامي محمود إبراهيم رئيس قسم الفلسفة كلية الآداب / جامعة الموصل / العراق 
 
 
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.