كما أن بعض المثقفين المغاربة وجدوا الاحتفاء لدى المشارقة كالشيخ البشير الإبراهيمي الذي قال في حقه منصور فهمي رئيس مجمع اللغة العربية (إن المكان الذي يقف فيه الشيخ حرم مقدس لا يجوز تدنيسه بالنعال ونزع حذاءه) ثم الشيخ الفضيل الورثلاني الرحالة الشهير الذي كان له دور في ثورة اليمن عام 1948 والمفكر مالك بن نبي الذي عرب كتبه عبد الصبور شاهين بل بدأ بن نبي بالقاهرة الكتابة بالعربية مباشرة ’وقد كتب فهمي هويدي (لا نبالغ كثيرا إذا قلنا إن تأثير مالك بن نبي في المشرق يفوق تأثير أي كاتب أو مفكر جزائري أو مغربي آخر ظهر في العصر الحديث".

غلاف الجزء الرابع من كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي (ت. ٣٢٨ هـ) - المطبعة الأزهرية بالقاهرة - الطبعة الثانية سنة ١٣٤٦ هـ / ١٩٢٨ م Arabic Book Cover al-ʿIqd al-Farīd (The Unique Necklace, Arabic: العقد الفريد) composed by Ibn ʿAbd Rabbih (860–940), an Arab writer and poet from Cordova, now in Spain. Source Wikipedia
كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي: تعود جذور القضية على الأقل إلى العصر الأندلسي حين استقبل المشارقة كتابا أدبيا في شكل موسوعة شعرية ونثرية في ذلك الوقت وليست هذه الموسوعة سوى كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي( 860م/940م) فما كان من الصاحب ابن عباد الوزير والأديب إلا أن قال بعد أن تأمله: (ظننا فيه شيئا من أخبار بلادهم فإذا هي أخبار بلادنا، بضاعتنا ردت إلينا)..وأهمل الكتاب، …، ثم أدلى الكاتب الجزائري أبو يعلى الزواوي الذي عاش بمصر واشتغل بالصحافة فحمل على المغاربة ودعاهم إلى الاهتمام ببلادهم وشؤونهم وثقافتهم وكان عنوان مقالته "اشتغالنا بالشرق أنسانا أنفسنا"، …، وفي نفس السياق كتب البحريني محمد جابر الأنصاري (عانت الجزيرة واليمن والخليج من الإهمال أكثر من المغرب وهي مشرق المشرق …) وهو يرى أن الجزيرة العربية نفسها عانت من التهميش من قبل المشارقة ولم يرفع عنها الغبن إلا الطفرة النفطية التي جعلت المشارقة يقبلون على الخليج حبا في دولاراته قبل كلماته ولنلاحظ هنا أن المشرق الذي هو مصر والشام والعراق يغدو مغربا بالنسبة للجزيرة العربية، كما يكتب إبراهيم مشارة.

وفي النصف الثاني من القرن المنصرم بدأ الأدب والثقافة المغربية يأخذان مكانهما في المشرق صحافة ونقدا ودراسة أكاديمية ولو أن عميد الأدب العربي طه حسين قد سبق إلى ذلك فقدم باحتفاء عبد الله كنون ومحمود المسعدي ومولود معمري وتجلى ذلك في احتفاء المشارقة بمؤلفات محمد عزيز الحبابي والجابري والمرنيسي ومحمد برادة ومحمد شكري ومحمد زفزاف وعبد المجيد بن جلون والطاهر وطار وعبد الحميد بن هدوقة وهشام جعيط وأخيرا أحلام مستغانمي وواسيني الأعرج.

ولا أدل على ذلك من نيل الروائي الجزائري عبد الوهاب عيساوي جائزة البوكر بروايته الديوان الإسبرطي عام 2020وتتويج رواية "اختفاء السيد لا أحد" للروائي أحمد طيباوي بجائزة نجيب محفوظ عام 2021 فلو كان هناك نبذ وتعال وإقصاء ما تقدم كل هؤلاء في مضمار الاحتفاء والتقدير في المشرق ذاته.

مطلوب من المشارقة إعادة اكتشاف المغرب ثقافيا

في مقال بعنوان "شمس العرب هل تشرق من المغرب؟ وتحت عنوان فرعي مطلوب من المشارقة إعادة اكتشاف المغرب ثقافيا كتب الأنصاري (إن ما سمعته من الإذاعة التونسية والمغربية يدل على أن للعربية الفصحى مكانة تدعو إلى الاطمئنان وإن المذيعين المتحدثين بها           يجيدونها بشكل يدعو إلى أن يغبطهم عليه بعض إخوانهم المشارقة).

لقد تمكن الأدب المغربي -مثلا المكتوب بالعربية ناهيك عن المكتوب بالفرنسية والمعرب وكذا الثقافة خاصة في الجانب الفكري والنقدي- من احتلال الصدارة ولم يعد هناك عزوف ولا استعلاء بالقدر الذي عهدناه في الماضي بل إن الطلبة يقدمون على دراسة الأدب والفكر المغربيين وتزيد الثورة المعلوماتية وطفرة الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي من مد جسور التقارب بين المشرق والمغرب وردم الهوة التاريخية وتضييق الفجوة بين مشرق ازدهى قرونا بمركزيته ومغرب أبى إلا أن يكون كم ثوب وذيل طائر ثم تمرد على ابن عبد ربه فلم يعد يجمع أشعار المشرق بقدر ما يبدع أشعاره الخاصة ويكتب سرده.

وهو ما يزيد من إعجاب المشارقة بهذا الإنتاج لخصوصيته المغربية العربية والأمازيغية، مثلما يتقدم الأمر في الخليج ويحتفى بإنتاجه الفني والأدبي والفكري وهذا كله يصب في مصب واحد هو وحدة الثقافة العربية.                                                

 

إبراهيم مشارة

حقوق النشر: إبراهيم مشارة / موقع قنطرة 2022

 ar.Qantara.de

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة