حوار خاص لموقع قنطرة مع مثقف مرّ من محراب السلطة في المغرب

حسن أوريد: خطابات الهويات قاتلة...ونهاية الاستثناء العربي مسألة حتمية

يعد المفكر والكاتب حسن أوريد من أهم الشخصية السياسية والفكرية البارزة في المغرب. أوريد عُرف بكتاباته حين تقلدّ مناصب متعددة منها مؤرخ المملكة والناطق باسم القصر الملكي. في الحوار التالي، الذي أجراه معه الصحافي إسماعيل عزام لموقع قنطرة، يرسم أوريد رؤيته حول تراجع ظاهرة الإسلام السياسي، وحول مستقبل الديمقراطية وحقوق الإنسان في المغرب، ليعرج على نقاش مستمر حول حقيقة عجز اللغة العربية عن مرافقة الناطقين بها إلى مجالات العلم.

لم تثر أيّ شخصية مغربية جدلاً بانتقالها ممّا يعرف بـ"دار المخزن" إلى مجالي التأليف والتدريس وإبداء الرأي كأحد المثقفين البارزين كما فعل حسن أوريد. صحيح أن الرجل عُرف بكتاباته حين تقلدّ مناصب متعددة منها مؤرخ المملكة والناطق باسم القصر الملكي، لكنه، وبعد توديع مهام المسؤولية في الدولة، أضحى أكثرَ ملازمةً للقلم، ليس فقط في عوالم الرواية والتحليل السياسي والترجمة، بل كذلك لمقالات حبلى بمواقف وآراء حول قضايا راهنة.

موقع قنطرة: بناءً على تطورات عديدة وقعت مؤخرا، كوفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي في السجن، وخسارة حزب العدالة والتنمية لإسطنبول، وسقوط نظام البشير في السودان، وكذلك إخفاق حركة النهضة في الرئاسيات التونسية، كيف ترى واقع الإسلام السياسي في المنطقة العربية؟ هل نشهد نهاية هذه الظاهرة بعدما بزغ نجمها في مرحلة الربيع العربي؟

حسن أوريد: أولا ينبغي أن نميز: الاسلام كعنصر مؤثر ثقافياً وسياسياً سيبقى، لكن لا أعتقد أن الإسلام السياسي سيبقى الفكرة الكبيرة. نحن في مرحلة جديدة من التعاطي مع الإسلام السياسي، فتنزيل خطاب الحركة الإسلامي على الواقع أفضى إلى اختلالات وتناقضات، وقد ظهرت مؤشرات هذا التحوّل بعد الربيع العربي، ومن ذلك إعلان راشد الغنوشي الفصل بين السياسي والدعوي. 

نحن على مشارف تجربة جديدة، وهو الأمر الذي انعكس بشكل جلي في حراك كل من الجزائر والسودان، فالجزائر قبل 30 سنة كانت تعيش على إيقاع شعارات الإسلام السياسي، والسودان كانت تعيش في تلك الفترة على الإيقاع ذاته.  خطاب الإسلام السياسي غير موجود في الحراكات القائمة، وهو مؤشر على تطور حاصل في المنطقة، يغلق القوس الذي بدأ عام 1967.

بما أنك ذكرت الجزائر، سبق لك أن اشتغلت فترة في وزارة الخارجية المغربية. كيف ترى ما يتعلق بالربيع الجزائري، هل ترى أن الجزائر سائرة في طريق دولة ديمقراطية تقطع مع حكم العسكر، أم أن النظام الجزائري يعيد إنتاج نفسه بطرق أخرى؟

حسن أوريد: مثلما أقول دائماً، يجب أن نميز بين الزمن السياسي والزمن التاريخي. الزمن السياسي يعرف مداً وجزراً، وهو الأمر الذي حدث في كل دول العالم العربي بدون استثناء، كان هناك مد مع الربيع العربي، وكان هناك جزر مع ما يعرف بالثورة المضادة، لكن هناك زمن تاريخي يفضي بالضرورة إلى نوع من دمقرطة المنطقة.

ولذلك أنا أعتقد أن ما يحصل في الجزائر، ينبغي أن نقيسه بمقياس الزمن التاريخي، فالأمور لا يمكن أن تتجه إلا نحو الدمقرطة، في الجزائر وفي غيرها، لأن أي خيار آخر، سيفضي إلى الانتحار، فالمنطقة كانت تعيش استثناءً ثقافياً غير مقبول، يؤدي إلى تعطيل الإمكانات المتاحة، ويشكل بؤرة للتوتر، لذلك ما تعرفه المنطقة أحياناً من جنوح خطاب العنف، و هو نتاج هذا الوضع غير الطبيعي.

مظاهرة ضد الحكومة في العاصمة الجزائرية يوم الاول من نوفمبر 1919. الصورة (picture-alliance/B. Bensalem)
تصميم على تغيير النظام الحاكم وانهاء حكم العسكر في الجزائر: نزل آلاف المحتجين الجزائريين في الجمعة الـ 38 الى الشوارع للتعبير عن رفضهم للانتخابات الرئاسية المقررة في 12 كانون الاول/ديسمبر، وغداة انتقادات لحركة الاحتجاج من قيادة الجيش.

بالحديث عن الدمقرطة، هل يمكن لهذا الحديث أن ينصب على المغرب، الذي شهد احتجاجات اجتماعية كثيرة. ربما أن المتتبع يرى وجود موجة من اليأس تضرب البلاد، فهل ترى أن المغرب بهذه الظروف التي يعيشها يسير كذلك نحو الدمقرطة، أم أنه لا يزال بحاجة إلى حراك اجتماعي أو سياسي أكثر ضخامة؟

حسن أوريد: باعتباري أستاذاً للعلوم السياسية، أشتغل على الزمن الطويل، أي الزمن التاريخي، فقد قلت قبل قليل إن المنطقة مفروض عليها أن تتجه للدمقرطة، والمغرب لا يمكن أن يكون استثناءً، والدليل أنه مرّ بحراك قبل تسع سنوات فيه مد وجزر، لأن الزمن السياسي فيه مد وجزر، لكن في الزمن التاريخي، لا بديل عن المشاركة في الحكم، لا بديل عن قواعد شفافة فيما يخص توزيع الثروة، لا بديل عن ثقافة كونية. هذه بالنسبة لي أمور تندرج في مسلسل التاريخ، إما أن تتم عن طريق تسويات من قبل كل العناصر المكوّنة للمشهد السياسي بما فيها الدولة، وإما أن يكون هناك تشنج يفضي إلى ردود فعل قوية.

إلى أي مدى سيتم تغليب مقاربة استباقية؟ هذا هو السؤال الذي لا أستطيع أن أجيب عنه. هذا رهين بموازين القوى، ورهين كذلك بحصافة الفاعلين السياسيين، هذه أمور لا أستطيع أن أنتصب فيها عرافاً، لكن المغرب لا يمكن أن يكون استثناءً.

المغرب لا يمكن أن يكون استثناءً، لكن هناك من يرى أن المغرب في السنوات القليلة الأخيرة، تراجع كثيراً في مجال حقوق الإنسان، وفي مجال التداول السياسي، وتراجع في الصلاحيات الممنوحة للحكومة، ألا ترى أن المغرب يتجه إلى إهدار المكتسبات التي حققها؟

حسن أوريد: أكيد أن ما حدث في المنطقة أثر على المغرب. من دون حراك 2011 لم تكن هناك طبعاً إمكانية لإصلاحات دستورية . ومن دون شك أن ما شهدته المنطقة من إخفاقات أعطى زخماً للسلطة. طبعا هذه الأمور لا تتطور من خلال النوايا، تتطور أولاً من خلال رؤية، ومن خلال ميزان قوى، ومن خلال السياق، والسياق الدولي حالياً لا يدعم المناخ الديمقراطي.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.