يقول المؤرخ الفلسطيني طريف الخالدي عن كتابه: لا أصنّف كتاب "أنا والكتب" كسيرة ذاتية بل هي سيرة مع الكتب فقط، اي أنها ايضاً اختيارية. في كتابه يقدّم المؤرّخ الفلسطيني ما يشبه سيرةً ذاتية مادّتها الكتب التي قرأها وأمدّته بأهم انشغالاته.
حوار خاص مع المؤرخ الفلسطيني طريف الخالدي

تاريخ العرب من تحت: لماذا لا توجد سير ذاتية بالعربية كتبها جزار أو فلاح؟

كتابة التاريخ في العالم العربي من منظور الناس العاديين: يتحدث المؤرخ الفلسطيني المعروف طريف الخالدي في هذا الحوار الخاص لموقع قنطرة عن مكانة السيرة الذاتية في كتابة التاريخ وعن رحلته مع عوالم الكتب وعوالم لندن الخمسينيات. حاوره محمد تركي الربيعو لموقع قنطرة.

طريف الخالدي مؤرخ فلسطيني ولد في القدس في عام 1938، انتقل في فترة شبابه الى لندن وهناك درس في كلية أكسفورد قبل أن يعود إلى بيروت للتدريس في الجامعة الأميركية. في عام 1996 غادر بيروت للتدريس في كلية كامبريدج، ليعود بعدها مرة أخرى الى الجامعة الأميركية في بيروت ويتولي كرسي الشيخ زايد في الدراسات الاسلامية والعربية. نشر طريف الخالدي العديد من الكتب والأبحاث التي ترجم بعضها للعربية مثل "فكرة التاريخ عند العرب"  و"صور النبي محمد" و"أنا والكتب".

المتابع لما كتبه طريف الخالدي في العقود الأخيرة، يلاحظ عودة شهيته للكتابة عن تاريخ  المنطقة من خلال السير الذاتية، وهذا ما بدا عبر اعدادك دراسة عن واقع العالم العربي خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية من خلال ذكريات وسير من عاشوا في تلك الفترة. لماذا اعتمدت على السير الذاتية كمصدر؟ وهل توفر لنا السير صور ومشاهد لا نعثر عليها في مصادر تاريخية أخرى؟

طريف الخالدي: كان هذا الكتاب، الذي شاركت فيه معقودا لحياة الناس العاديين خلال الحربين العالميتين. من هنا وبسبب شح المصادر الأخرى حول هذا الموضوع لجأتُ الى السير الذاتية كمصدر أساسي لاستعادة ظروف تلك الحياة. لكن يجب الانتباه الى ان هذه السير ليست لأناس "عاديين" بل كتبها سياسيون ومثقفون وصفوا ما يجري من وجهة نظرهم المتعالية عن عذابات الناس "العاديين" رغم شعورهم احياناً بفداحتها.

للأسف لا نملك في تراثنا سوى القليل من التواريخ، التي كتبها أناس ينتمون الى الطبقات الدنيا من المجتمع ولعل اشهر تلك التواريخ تاريخ البديري الحلاق الدمشقي في القرن الثامن عشر. الدكتورة دانا سجدي من كلية بوسطن والدكتور مالك الشريف من جامعة مونستر في ألمانيا هما المبرّزان حاليا في دراسة هذه التواريخ التي كتبها أناسٌ "عاديون".

برأيك، لماذا جرت شبه قطيعة بين المؤرخين والسير الذاتية؟ هل يتعلق ذلك باحتلال التاريخ الاجتماعي وتاريخ العامة لمسرح الأحداث بدلاً من تاريخ النخب والعظماء؟ أم يعود للتأثر بالظروف السياسية وليس لخلاف حول مناهج الكتابة التاريخية، فمثلاً يلمح جاك لوغوف في سياق حديثه عن الذاكرة الى أنه غداة الحرب العالمية الأولى كانت غالبية الدول تهدف لبناء ذاكرة مشتركة على حساب الذاكرة الفردية؟

طريف الخالدي: لا أرى أن ثمة قطيعة بين التاريخ والسير الذاتية أو غيرها من السير. الترابط بين هذين الصنفين من الكتابة التاريخية قديم جداً ولم ينقطع يوماً في أي تراث عالمي. نعم، التاريخ الاجتماعي برز الى الوجود في التاسع عشر لكنه لم يستأثر يوماً بالكتابة التاريخية. هنالك في يومنا الحاضر تأثير عميق جدا للأدب ولنظريات النقد الادبي على التاريخ وكتابته كما كان أيضا لعلم النفس في خمسينيات القرن الماضي.

حين يحتاج  التاريخ الى نظريات فهو يستمدها في العادة من العلوم والآداب المحيطة به. ولعل المثال الأبرز هو كتاب "دراسة في التاريخ" لارنولد توينبي، الذي استمد نظريته الشهيرة حول "التحدي والتجاوب" من الداروينية الاجتماعية.

أما الذاكرة فهي بمثابة "الخاصرة الرخوة" للتاريخ وهي الرابط بين التاريخ والميثولوجيا. الذاكرة المشتركة التي يتكلم عنها لوغوف هي محاولة لبعث الحياة في التاريخ القومي وكثيرا ما تختلط  بالميثولوجيا.

 

 

تذكر فرجينا وولف في سياق حديثها عن السير أن لكل شخص منا "ألف وجه ووجه". لماذا اخترت أن تبدأ أحد وجوه سيرتك الذاتية مع الكتاب؟

طريف الخالدي: السيرة الذاتية هي صنف من أصناف السِيرة بمعناها الأوسع. سيرة زيد بقلم عمرو تختلف عن سيرة عمرو بقلم عمرو. في كلا السيرتين اختيار في التقسيم والتوكيد، لكن السيرة الذاتية اختيارية بامتياز. خذ مثلا السير الذاتيه لرجال السياسة. هي في غالبيتها الساحقة لا تعدو كونها تبريراً لمسلكهم في الحياة العامة ودفاعاً عنيداً عن صوابية قراراتهم السياسية، وشعارهم "يا ليتهم سمعوا مني".

لا أصنّف كتاب "أنا والكتب" كسيرة ذاتية بل هي سيرة مع الكتب فقط، اي أنها ايضاً اختيارية، أما سيرتي الذاتية "الحقيقية" والتي فيها "ألف وجه ووجه" فقد كتبتها وما زلت لكي يقرأها احفادي الأربعة فقط! 

 

.................

طالع أيضا

انفتاح العقل العربي الإسلامي على الحضارات المجاورة والبعيدة

مكتبة قنطرة: خير جليس في الزمان كتاب

حين حلم المأمون بأرسطو

.................

 

تعودنا في العالم العربي على أن الحصول على الكتاب لا يكون بتلك السهولة، لكن الملاحظ  في سيرتك مع الكتب أنك لم تعانِ من هذا الأمر، فمثلا لا نعثر  في كتابك على أي قصة  شخصية تتعلق بصعوبة حصولك او فرحتك بعد الحصول على كتاب أو مخطوطة ما. فهل يعود ذلك ربما لنشأتك في عائلة ميسورة ولاحقا انتقالك للدراسة والعمل في  جامعات عريقة مثل أكسفورد وكامبريدج؟  

طريف الخالدي: المنزل العائلي كان يعج بالكتب، أما فيما بعد فان عملي كأستاذ جامعي أتاح لي الوصول الى مختلف المكتبات الجامعية. عثرت على بعض المخطوطات هنا وهنالك لكنني لم أحقق أي منها فالتحقيق علم قائم بذاته ولم أشعر بالرغبة في مزاولته خصوصا مع وجود محققين أفذاذ على غرار عبد السلام هارون واحسان عباس وغيرهم.

كما أن الكتب التراثية المحققة تكفي الباحث لتكوين صورة لا بأس بها لتاريخ التراث. أجل، العثور على المبتغى في كتاب ما له لذة لا تضاهيها لذة أخرى، لكن الباحث يصرف الكثير من الوقت والجهد في تصحف ما لا علاقة له بموضوعه.

يرى بعض الأنثربولوجيين أنّ السير الذاتية تأتي في أحد جوانبها للوفاء بالديون تجاه زمن الوالدين. اليوم لو أراد الباحث الخالدي الوفاء بدينه تجاه والدته؟ ما الذي سيذكره عنه؟ ما الذي تذكره مثلاً عن ألذ الطبخات التي كانت تجيدها، وبقي طعمها لا يفارق ذاكرتك؟

طريف الخالدي: لم تكن الوالدة تجيد أي نوع من انواع الطبخ ولم يكن للطعام أدنى أهمية في منزل العائلة. وأنا اليوم أكل كل ما يوضع أمامي ولا أميّز بين الفاخر من الطعام وغيره بل فقط بين ما يُبلع وما لا يُبلع. أما ديني لعنبرة فقد وفيته على ما اعتقد حين ترجمت مذكراتها الى الانكليزية ووجدت لها ناشراً مرموقا في انكلترا. كانت عنبرة تكبرني بأكثر من اربعين عاماً لذا كانت اشبه بالجَدّة منها بالأُم، وما ادراك ما الحب بين الجدة والحفيد!.

المؤرخ الفلسطيني طريف الخالدي . الصورة: خاص
المؤرخ والاكاديمي الفلسطيني طريف الخالدي ولد في القدس في عام 1938، انتقل في فترة شبابه الى لندن وهناك درس في كلية أكسفورد قبل أن يعود إلى بيروت للتدريس في الجامعة الأميركية. في عام 1996 غادر بيروت للتدريس في كلية كامبريدج، ليعود بعدها مرة أخرى الى الجامعة الأميركية في بيروت ويتولي كرسي الشيخ زايد في الدراسات الاسلامية والعربية. نشر طريف الخالدي العديد من الكتب والأبحاث التي ترجم بعضها للعربية مثل "فكرة التاريخ عند العرب" و"صور النبي محمد" و"أنا والكتب".

"التاريخ ذاته في خطر بسبب تدهور العلوم الانسانية في كافة ارجاء المعمورة"

أعددت قبل سنوات دراسة مطولة حول الانطباعات، التي سجّلها أحمد فارس الشدياق في رحلته إلى بريطانيا عام 1848، و ربما من الصدف أنك بعد 100 عام وأكثر قليلاً (1951) وجدت نفسك في مدرسة داخلية في نفس البلد. ما أكثر ما لفت اهتمامك في تلك الفترة، أو بعد أن كبرت قليلاً عن عادات اللندنيين في الأكل أو عن النساء الانكليزيات، أو غيرها من الأمور المتعلقة بالحياة اليومية، وهي ذات المواضيع التي استهوت شدياق للكتابة عنها؟

طريف الخالدي: سؤالك هذا مثير للاهتمام. ما كتبه الشدياق عن انكلترا هو في رأيي من أعمق ما كتبه زائر شرقي حول الانكليز في العصور الحديثة، فهو يتجنب التعميم في زمن التعميم ويكتب بدقة يغار منها أي صحفي لامع في يومنا الحاضر اذ ينفذ الى أعماق المجتمع الانكليزي، فمن أحوال النخبة الى أحوال البائسين ومن المدن الى الارياف، ومن الصناعة الى العلوم والاختراعات، ومن الصالون الى الشارع. الحديث عن هذا العبقري يطول ويطول...

أجل، العديد من ملاحظاته تلاقي صداً في نفسي. خذ مثلاً التراتبية الحديدية للمجتمع الانكليزي والتقسيم الذي لا يكاد يتغير للطبقات الاجتماعية. هذا ما يلاحظه كل انسان له أدنى احتكاك بالإنكليز. أو خذ مثلاً الاستهزاء بالأجنبي عند العامة وهذا ما عانيت منه الامرين في مدرستي الداخلية. أو خذ مثلاً تعلقهم بالتقاليد وبالاحتفالات المهيبة المبهرجة المزينة التي لا تتغير عبر الزمن.

أما افتتان الشدياق بالمرأة الانكليزية فهو أيضا افتتان شاركته فيه والداعي لذلك هو أولا الوانهن العجيبة والغير مألوفة وثانيا تحررهن بالمقارنة مع فتيات بلادنا في عصر الشدياق وعصري. لكن لو عاش الشدياق حتى قدوم الـ "بريكست" ماذا كان سيقول عنه يا ترى؟

في سياق تحليله لألبوم العائلة، وجد الفرنسي بيير بورديو  في عام 1965 أنّ صور البورتريه ساهمت في دمقرطة تاريخ العائلات، إذ غدا لكل عائلة مصورها وتاريخها أو سيرتها اليوم مع تطور تقنية السيلفي والتي جعلت الآلاف مصابين بهوس تسجيل وتصوير يومياتهم. هل غدونا أمام آلاف السير الذاتية؟ وهل أدوات المؤرخ اليوم جاهزة للتعامل مع هذا الانقلاب على صعيد مؤلف السير الذاتية (بين سير مشاهير ونخب الأمس/ وبين ملايين الناس العاديين)؟

طريف الخالدي: أشرت أعلاه وفي السؤال الأول الى هذا الموضوع فيما يختص بالتواريخ المكتوبة من قبل ناس "عاديين". يا حبذا لو كنا نملك ومن أي عصر كان تواريخ أو سير ذاتية كتبها جزار أو فلاح أو نجار أو خباز او دكنجي أو عامل في مصنع الخ. عددها في تراثنا لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.

ذكرت كتاب البديري في الثامن عشر وأضيف اليه تاريخ الراكوني وهو فلاح من جنوب لبنان ومن الثامن عشر أيضاً. وهذه الكتب على درجة كبيرة من الاهمية للتاريخ الاجتماعي. هل سيزداد عددها مع قدوم "البوم" الصور الفوتوغرافية وديقراطية الـ"سلفي"؟ لا أدري. التاريخ ذاته في خطر بسبب تدهور العلوم الانسانية في كافة ارجاء المعمورة.

والكتاب ذاته في خطر بسبب الفضاء الافتراضي المخيم علينا والحقيقة ذاتها في خطر في عالم "ما بعد الحقيقة" والله أعلم.

 

أجرى الحوار: محمد تركي الربيعو

حقوق النشر: قنطرة 2020

 

 

إقرأ/ي أيضًا: المزيد من مقالات موقع قنطرة

الإسلام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: هل بدأ الشباب يدير ظهره للدين؟

ملف خاص من موقع قنطرة حول التاريخ الاسلامي

محمد أركون: الوعي التاريخي مفقود في ثقافتنا العربية المعاصرة

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة