تقول في كتابك إن مدينة طنجة تشهد تحولاً ملحوظاً يتمثّلُ في الصّراع بين السّكان الأصليين والوافدين الجدُد، خاصّة بعد رحيل اليهود والأوروبيين. كيف نشأ هذا الصّراعُ في نظرك؟
 
ديتر هالر: بعد استقلال المغرب، كانت طنجة مدينة صغيرة بساكنة محدودة. اليهود رحلوا والمسيحيون كذلك، ولم يتبقّ سوى السّكان المحليون من المغاربة. بعد ذلك، رحل الكثير من المغاربة أيضاً إلى أمريكا الجنوبية وفرنسا.
 
بعد ذلك، كان مجيء المعجبين بمدينة طنجة من الجنوب ومن فرنسا. وكما هو معلوم، فإن الساكنة الأصلية لهذه المدينة لم تكن ناطقةً بالفرنسية، بل بالإسبانية. تحوّلت هذه الساكنة بسرعة إلى أقلّية، وحتى سياسيا، لم يكن لهذه الساكنة تأثيرٌ على مدينتها.

نعرفُ جميعاً خطاب الحسن الثاني ومحمد الخامس اللذين اختارا أن يكون القائمون على الإدارات في هذه المنطقة قادمين من جهاتٍ أخرى، بينما ذهب الطنجاويون إلى جهة مكناس. وكان الهدفُ من ذلك بطبيعة الحال، خلقُ دولةٍ مغربية.

هذا يعني أن الساكنة الأصلية لمدينة طنجة، لم تتحوّل إلى أقلّية ديموغرافياً فقط، بل حتى سياسياً.

هناك عاملٌ آخر هو قدوم الفلاحين إلى المدينة، وهو ما لم يستسغهُ الطنجاويون من ساكنة المدينة، إذ لم يكن الفلاّحون يعرفون كيف يتأقلمون مع ظروف المدينة، فنقلوا معهم عاداتهم وأبقارهم وخرفانهم. هذا أدى إلى تغير البنية العمرانية لطنجة ونمط الحياة داخلها.

عاشت طنجة أيضا، خلال سنوات الرصاص، نوعاً من التهميش، ولم يكن هناك من حلّ اقتصادي سوى التهريب. هذا جعل الكثير من الناس يشعرون بأنفسهم أجانب داخل مدينتهم.
 
خلال دراستك، التقيتَ بالكثير من السّكان الأصليين لمدينة طنجة الذين عبّروا عن نوعٍ من السّخط تجاه سياسة "المغرَبة"، مؤكّدين أن طنجة لم تكن مدينةً مستعمَرة، بل دولية، وأن "المغرَبة" قَبَرَت الإرث الكوسموبوليتي للمدينة. ما رأيك في هذا الطّرح؟
 
ديتر هالر: بالنسبة للمسلمين من الطبقة الكادحة، يرجع هذا الطرحُ بالنسبة إليهم، لكونِ جودة الحياة في فترة طنجة الدولية أحسن مما هي عليه الآن، إذ، مثلاً، كان لديهم الخيار في أن يُعالَجوا داخل مستشفيات يهودية أو إيطالية، أو أن يدرّسوا أطفالهم داخل مدارس إيطالية… أما اليوم، فأصبح الناس يشتكون من جودة الصّحة والتعليم في مدينتهم. بطبيعة الحال، لم يكن الماضي مثالياً، لأن المسلمين كانوا يحظون دائماً بفرصٍ أقلّ من اليهود والأوروبيين.
 
عشتَ تجربةً روحية داخل الزاوية الحمدوشية خلال مدّة دراستك. هل يمكن أن تحكي لنا قليلاً عن هذه التجربة، خاصّة وأنك ألماني قادمٌ من ثقافة علمانية؟
 
ديتر هالر: اكتشفتُ الزاوية الحمدوشية عن طريق صديق، وكان ذلك بالنسبة لي شبيها بملهى ليلي، أو حشدٍ من المجانين، حيث تطلقُ النساء العنان لشعورهنّ، ويقوم الجميع بنوعٍ من الرّقص… كان هذا انطباعي الأول، لكنني بعد ذلك، استطعتُ اكتشاف ذلك البعد الروحي في الزاوية، وهو بعدٌ مهمّ لم أكن آبه له من قبل.
 
بعيداً عن الكتاب، كألماني عاش في طنجة لمدة تزيد عن السّنة، كيف تُقيّم جودة الحياة في المغرب على مستوى الحريات، الحريات الفردية، حقوق الإنسان ووضعية النساء؟
 
ديتر هالر: سؤال صعب، لأن هناك طرفين متجاذبين على هذا المستوى، فمن جهة، يتزايد أعداد الناس الذين يتحدثون عن الحريات الفردية ويطالبون بها، وذلك عبر الموسيقى الشبابية ومواقع التواصل الاجتماعي وطرقٍ أخرى، معبّرين عن رغبتهم في التحرّر أكثر من أي وقت مضى.

من جهة أخرى، هناك المجتمع الذي يتّجه أكثر إلى المحافظة، والملك الذي يتغنى بالمعاصَرة والأصالة في نفس الوقت.

هذا الموضوع معقّد جداً، فالمغرب خليطٌ بين المدافعين عن الحريات وحقوق النساء، وبين المحافظين، وبين الخطاب الرسمي للدولة.

 

طنجة - المغرب. Photo: Karima Ahdad
اتجاه نحو المعاصرة والمحافظة: يلاحظ يرى الباحث ديتر هالر أن هناك استثمارات من أجل جعل مدينة طنجة أكثر جمالاً، كما أن المواطنين أصبحوا حريصين على نظافة أحيائهم وصبغها وتزيينها بالنباتات وغيرها، مضيفاً: "طنجة تذكرني بإيطاليا في ستينيات القرن الماضي حين أصبح المجتمع أكثر استهلاكاً، لكن أكثر محافظةً أيضاً. طنجة مثلاً، كانت مدينة كوسموبوليتية، لكنها تحولت بسرعة إلى مدينة محافظة، وهو ما يبين لنا الاختلاف الشاسع بينها وبين المدن المغربية الأخرى، لأن التحوّل فيها، على هذا المستوى، كان كبيراً جدا مقارنةً بمدنٍ أخرى. النساء في هذه المدينة، كنّ في وقت مضى، يتمتّعن بحرّية أكبر، وكان المثليون جنسياً أكثر قدرةً على التعبير عن أنفسهم. هذا ليس راجعاً فقط إلى الوهابية القادمة من السعودية والتي تغلغلت في أدمغة الناس وغيرت نمط حياتهم، بل أيضا إلى الجانب الاقتصادي والتحول من مجتمع تقليدي عادي إلى مجتمع استهلاكي، وهو ما ساعد أكثر على تحوّله إلى مجتمع محافظ".

 

طنجة مثلاً، كانت مدينة كوسموبوليتية، لكنها تحولت بسرعة إلى مدينة محافظة، وهو ما يبين لنا الاختلاف الشاسع بينها وبين المدن المغربية الأخرى، لأن التحوّل فيها، على هذا المستوى، كان كبيراً جدا مقارنةً بمدنٍ أخرى. النساء في هذه المدينة، كنّ في وقت مضى، يتمتّعن بحرّية أكبر، وكان المثليون جنسياً أكثر قدرةً على التعبير عن أنفسهم.

هذا ليس راجعاً فقط إلى الوهابية القادمة من السعودية والتي تغلغلت في أدمغة الناس وغيرت نمط حياتهم، بل أيضا إلى الجانب الاقتصادي والتحول من مجتمع تقليدي عادي إلى مجتمع استهلاكي، وهو ما ساعد أكثر على تحوّله إلى مجتمع محافظ.

في لقاءاتي مع الطنجاويين القدامى، أكد لي العديدون منهم أنّ تمتّع طنجة بالحريات في فترة ما مجرّدُ كلام. هذا يجعلني أقول إن الحرية في الفترة الكوسموبوليتية كانت محصورةً على من ينتمون إلى طبقات اجتماعية معينة، وأبرزهم اليهود والأوروبيون.
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.