عولمة الجهاد تحت المجهر البحثي

ذكرت في إحدى مقابلاتك بأنّ الشيخ عزام يبقى أحد المسؤولين عن عولمة الجهاد، خاصة وأنّ كثيراً من المقاتلين النرويجيين ممن قاتلوا في سوريا تأثّروا بكتبه. ربما تشابه هذه الفكرةُ فكرةً طرحها الباحث الفرنسي جيل كيبل في السابق حول مسؤولية كتب أبو مصعب السوري عن العمليات الانتحارية في أوروبا، وهو رأي لم يحظ بموافقة عدد من الباحثين. برأيك ألا نعيد من خلال هذا الربط قراءة ذاكرة الجهاد بأثر رجعي؟

توماس هيغهامر:: هناك بالطبع هذا الخطر، ولذلك ينبغي علينا أن نكون عمليين وحذرين حين نتحدّث عن التأثير الآيديولوجي. فالفرق بين فكرتي وفكرة جيل كيبل، أنني استطيع تتبّع التأثير إلى أشخاص محدّدين لديهم بيانات فعلية.

أنا أقول أنّ الجهاديين النرويجيين تأثّروا بعبد الله عزام فقط، لأنني أملك دليلاً أن أشخاصاً محدّدين بالاسم كانوا يقرؤون كتبه. على سبيل المثال، حين غادرت شقيقتان صوماليتان-نرويجيتان إلى سوريا في عام 2013، أرسلتا بريداً إلكترونياً إلى والدهما تقولان فيه: "أبي، نحن ذاهبتان إلى سوريا. ولكي تفهم السبب، أرجو أن تقرأ المرفق". وكان المرفق عبارة عن نسخة من كتاب عبد الله عزام "الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان". لا يكون التأثير أكثر وضوحاً من ذلك.

بالطبع، أنا لا أقول أن كتابات عزام هي السبب الوحيد لذهابهما. كان هناك أسباب إضافية: بروباغاندا الدولة الإسلامية، وضغط الأقران، واحتياجات نفسية، وما إلى ذلك. بيد أنني اعتقد أنّ العقائديين مثل عزام يمارسون تأثيرهم، لأن المحاربين الشباب مثل هاتين الفتاتين الصوماليتين متدينون حقاً. إنهم يقلقون من أن يفعلوا شيئاً خاطئاً من وجهة النظر الإسلامية، لأن ذلك يمكن أن يُدخلهم إلى جهنم. لذلك فإنهم يسعون إلى الحصول على مصادقة خارجية على ما يفعلون، والعقائديون أمثال عزام يقدّمون لهم ذلك.

الجهاد في السعودية: قصة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب
"الجهاد في السعودية: قصة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب": هذا الكتاب عبارة عن أطروحة دكتوراه مترجمة للباحث النرويجي توماس هيغهامر، الذي قضى أعواماً يطارد تفاصيل الحالة الجهادية بالسعودية، منذ نشأتها، وتكوّنها، وروافدها الفكرية، ثم تصاعد المواجهات، وانتقالها للسعودية.

في كتابك الأول "الجهاد في السعودية"، ظهر عبد الله عزام قليلاً ثم توارى عن الأنظار لصالح الجهاديين السعوديين وفي مقدمتهم أسامة بن لادن. اليوم ومن خلال كتابك الذي يتناول سيرة عبد الله عزام، بأسلوب يذكرنا ربما بأسلوب ستيف كول في كتابه "آل بن لادن". لو حاولنا وضع صورتي كلا الشيخين (بن لادن وعزام) وإجراء مقارنة بينهما. ما الذي يجمعهما على المستوى الشخصي؟ وبماذا تختلف الشخصيتان؟

توماس هيغهامر:: كان الشيء الرئيسي المشترك بين عزام وبن لادن هو المثالية (Idealism). اهتمّ كلاهما بالقيم والأفكار أكثر من اهتمامهما بالراحة المادية أو النجاح المهني. كان بإمكان بن لادن أن يعيش حياة هادئة بترف، بيد أنّه ضحى بكل ذلك في سبيل مشاريعه السياسية-العسكرية. كما كان يمكن لعزام أن يعيش حياة أكاديمية مستقرة في الأردن لو أنه فقط أطاع السلطات، بيد أنّ الأهم بالنسبة له كان أن يتكلم عما يعتبره الحقيقة وأن يفعل ما يعتبره الشي الصحيح. ولهذا السبب تواصلا وبقيا اصدقاء؛ رأى كل منهما هذه السمة في الاخر واحترمها فيه.

بيد أنهما اختلفا أيضاً. إذ كان عزام محباً للكتب ومفكراً في حين كان بن لادن فاعلاً ومقاولاً. لم يتعلق الأمر بفارق العمر فحسب. حين كان عزام في الثلاثين من عمره –في عام 1971- ترك الجهاد ليحصل على دكتوراه في الشريعة الإسلامية. وحين كان بن لادن في الثلاثين من عمره –في عام 1987- بدأ بتأسيس تنظيم القاعدة. كان عزام أيضاً أشبه بمهندس توافق في الآراء؛ لقد حاول توحيد الناس. أما بن لادن، من الناحية الأخرى، كان سعيداً بالقيام بأموره الخاصة بغضّ النظر عما اعتقده الآخرون.

دعنا ننتقل من سيرة عزام، لنتحدث عما نعيشه اليوم. في كتابك "ثقافة الجهادي" عملت على فكرة أن هناك حياة أخرى للجهاديين غير ساحات القتال والتدريب، ولذلك حاولت دراسة علاقتهم بالفن مثلاً أو بالأحلام. الآن ونحن نعيش أمام هجوم كورونا، كيف يعبّر الجهاديون عن هذا الوباء؟ ربما هو أمر لم يعيشوه في تجاربهم السابقة؟

توماس هيغهامر:: نعم، من الصحيح أنّ فيروس كورونا هو تحدٍ من نوع جديد بالنسبة للجهاديين أيضاً. من الصعب جداً التكهن كيف سيؤثر بهم على المدى الطويل. إذ تشير التعليقات والميمز (Memes) التي انتشرت حتى الآن إلى اتجاهات مختلفة. يدعو البعض المقاتلين إلى اتخاذ الاحتياطات اللازمة، بينما يقول آخرون أنه لا داعي للقلق ما دام كل شيء في يد الله، في حين يشمت آخرون ويقولون أن فيروس الكورونا هو طريقة الله لمعاقبة الكفّار.

ينبئني حدسي أنّ أعمالهم ستستمر بشكل واسع كما من قبل، لأن معدّل الوفيات بفيروس كورونا بين الشباب منخفض للغاية فلن يؤثر عليهم حقاً. أتوقّع أن يحاولوا الحفاظ على الروح المعنوية من خلال اللجوء إلى المثال التاريخي (طاعون عِمواس) عام 639 م، الذي لم يوقف جهاد المسلمين الأوائل. كما أنني لن أتفاجأ برؤية الفكر الرؤيوي أو القيامي (Apocalyptic) يظهر مرة أخرى في مكان ما في المشهد الإسلامي.

 

توماس هيغهامر باحث نرويجي مختص بدراسة الإرهاب والجماعات الجهادية وهو كبير الباحثين في المعهد النرويجي  في مؤسسة أبحاث الدفاع النرويجية  لدراسات الدفاع، كما يعمل أستاذاّ مساعداً للعلوم السياسية في جامعة أوسلو.
توماس هيغهامر باحث نرويجي مختص بدراسة الإرهاب والجماعات الجهادية وهو كبير الباحثين في المعهد النرويجي في مؤسسة أبحاث الدفاع النرويجية لدراسات الدفاع، كما يعمل أستاذاّ مساعداً للعلوم السياسية في جامعة أوسلو.

 

بعيد الضربات التي تعرّض لها تنظيم الدولة الإسلامية ونهاية خلافته..هل انتهى زمن الجهاد العالمي؟ أم أنه بصدد ترتيب شبكاته من جديد؟

توماس هيغهامر: إنني متفائل بحذر. من المؤكّد أنّ الحركة الجهادية أضعف مقارنة بما كانت عليه قبل خمس سنوات مضت. ويوجد في العديد من الأماكن أنظمة جديدة وأشد صرامة لمكافحة الإرهاب، تجعل من الصعب على هذه الجماعات العمل. أما على الانترنت، فالبروباغاندا الراديكالية أقل انتشاراً من ذي قبل. وبلا شكٍّ، يعمل الذكاء الاصطناعي، وإن كان ببطء، على تحسين قدرات المراقبة لدى الدول. وفي العديد من أجزاء العالم الإسلامي، يبدو أنّ المواقف الشعبية تجاه الجماعات الإسلامية المتشدّدة قد تغيرت؛ هناك نزعة شكٍّ وعداء تجاه جماعات كهذه أكثر من قبل.

في الوقت ذاته، الصورة الحالية غير متوازنة. فالجهادية تتزايد في غرب افريقيا وطالبان تعود إلى السلطة في أفغانستان. والعديد من الجماعات، بما فيها  تنظيم الدولة الإسلامية، خسرت لكن لم يقض عليها بعد. وسيكون هناك الكثير من المظالم لتستغلها الجماعات الإسلامية في السنوات المقبلة؛ التوقعات الاقتصادية للشرق الأوسط قاتمة للغاية، والاستبداد أسوأ مما كان عليه قبل الربيع العربي. وفي أي لحظة، من الممكن أن يندلع نزاع جديد أو حرب أهلية في المنطقة، مما يعيد تنشيط الحركة الجهادية.

كما ينبغي أن نتذكّر أنّ الحركة الجهادية أثبتت مرونتها بشكل ملحوظ تاريخياً. كانت هناك أوقات –كما في أواخر التسعينيات أو حوالي عامي 2010-2011- حين اعتقد الجميع أنّ الخطر قد انتهى، ومن ثم عاد بدرجة كبيرة.

آعتقد أنّ هناك أسباباً للتفاؤل الآن أكثر مما كان في زمن تلك المنعطفات، بيد أنني أريد رؤية بضع سنوات أخرى من التراجع قبل إعلان نهاية عصر الجهاد.

 

 

 حاوره محمد تركي الربيعو

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

ترجمة عن الانجليزية : يسرى مرعي

 

 

المزيد من المقالات التحليلية من موقع قنطرة

تركيا في شرق الفرات: نبع للسلام أم بؤرة جديدة لصراعات مستقبلية؟

كتاب "راهب في الأسر" للأب جاك مراد...هل يمكن محاورة الجهاديين؟

الحركات الجهادية العنيفة ولدت من العولمة... وليس من الإسلام السياسي

هكذا يلاحق محققون ألمان مجرمي "داعش"

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة