حوار مع البروفيسور محمد الدعمي

تخنيث الغرب: مفاهيم التجديد في "الإسلام الجديد"

نشر البروفسور محمد الدعمي كتابه "تخنيث الغرب" عام 2015 في أوج الصراع الإسلامي - الإسلامي (دولة ولي الفقيه ضد دولة الخلافة الإسلامية) موظّفا حقائق أخلاقية وفلسفية كشف عنها ذلك الصراع ليخلص إلى نتائج تاريخية قد تؤسس لنوع آخر من العلاقة بين أوروبا والمهاجرين إليها. ملهم الملائكة حاوره لموقع قنطرة.

يرى البروفسور *محمد الدعمي أنّ أنصار وداعمي "دولة الخلافة الإسلامية" هم السنّة عموماً ممن اتفقوا على ولاية الخلفاء الراشدين، محاولين على مدى التاريخ الإسلامي خلق نموذج يسير على نمطها ويستلهم قيمها، والأقرب لهم اليوم تنظيمات الإسلام الجديد، الوهابية والقاعدة وداعش.

أما الشيعة فهم أنصار "نظرية الجمهورية الإسلامية"، ومنهم طوّر خميني الجمهورية الإسلامية الأولى في إيران وأسماها "جمهوري إسلامي إيران" بمعنى أنها "الجمهورية الإسلامية في إيران" وستتبعها جمهوريات أخرى.

قنطرة التقت محمد الدعمي فكان الحوار التالي:

من أين انطلقت فكرة عنوان - نظرية الكتاب "تخنيث الغرب"؟

محمد الدعمي: من أجل تأليف كتابي الموسوم بــ "تخنيث الغرب"، اعتمدت مدخل الفيلسوف هيغل Hegelـ إذ يعتمد فكرة الصراع "الجنسي" Sex أو "الجنوسي" Gender بين الشرق والغرب عبر  دورات التاريخ الكوني، فيقول: "إذا ما اعتبرنا الاستشراق الرومانسي جملة فوق نحوية، يمكن لنا أن نقلص الصراع إلى بنية جملة نحوية، حيث يَهزمُ الغرب، فاعلاً، الشرق، مفعولاً به، في معركة التفوق العالمية عبر التاريخ".

هذه هي خلاصة كتابه المهم "فلسفة التاريخ". لذا، قامت الكولونياليات الأوربية بتخنيث العالم الشرقي لاختراقه وكأنه امرأة، بلا حول ولا قوة.

أما حركات الإرهاب الإسلامية، فغاية هدفها هو قلب المعادلة على سبيل تخنيث الغرب، ثم إعادة الهيبة الذكورية للإسلام عبر إعادة تأسيس الخلافة كما حدث في التاريخ في صدر الإسلام وعبر الامبراطوريات الإسلامية العربية والفارسية والتركية! أي عبر عصور محاصرة العالم الإسلامي أوربا (أو العالم المسيحي).

 

في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1979، احتجز طلاب إسلاميون 52 دبلوماسيا أميركيا رهائن في سفارة الولايات المتحدة في طهران، مما أدى إلى قطع العلاقات بين البلدين في 1980. وفرضت واشنطن في 1995 حظرا كاملا على إيران التي اتهمتها بدعم الإرهاب.
في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1979، احتجز طلاب إسلاميون 52 دبلوماسيا أميركيا رهائن في سفارة الولايات المتحدة في طهران، مما أدى إلى قطع العلاقات بين البلدين في 1980. وفرضت واشنطن في 1995 حظرا كاملا على إيران التي اتهمتها بدعم الإرهاب.

 

"الجمهورية الإسلامية لم تنجح في فرز أنموذج يستحق الرصد والمحاكاة حتى من قبل الإسلاميين"

 

بقي حكم السنة على مدى التاريخ حكماً للأقوياء الأثرياء المتمسكين بالغالبية، فيما اقتصر الشيعة على دور المعارضة الضعيفة قليلة العدد معتصمة بعنوان المظلومية، هل تمثل جمهورية إيران الإسلامية كسراً لنمط المظلومية الشيعية؟

محمد الدعمي: سبقت نظام ولاية الفقيه في إيران العديد من الكيانات الشيعية، في كل من إيران والهند وسواهما من بقاع العالم الإسلامي. ويبدو أنها جميعاً لم تتوقف للبقاء والتواصل. وأعتقد أن سبب ذلك هي ذات الأغلبية السنية المتحاملة على الشيعة والتشيع بعامة. هي طبعاً، كسر للتنميط التاريخي أعلاه، إلا أن الجمهورية الإسلامية لم تنجح في فرز أنموذج يستحق الرصد والمحاكاة حتى من قبل الإسلاميين، خاصة بعد تورطها في "مشروع تصدير الثورة"، نظراً لقسريته ولمخاوف الـ 95% من المسلمين السنة عبر العالم الإسلامي من نتائج هذا المشروع.

حسب كتابكم، فقد عرّفت رسائل إخوان الصفا الإنسان المثالي بانّه "العالم الخبير الفاضل، الذكي المستبصر، الفارسي النسب، العربي الدين، الحنفي المذهب، العراقي الآداب، العبراني المخبر، المسيحي المنهج، الشامي النسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة، الصوفي السيرة"، وهو لعمري إعلان أممي بامتياز للمنظمة بأنّ هذا الإنسان يحمل صفات الرجل الخارق "سوبرمان" على حد وصفكم حيث ذهبتم إلى الاستنتاج بأنّ أخون الصفا شكّلوا "حكومة عالمية" خارج هيكل دولة الخلافة الإسلامية التي ساد نمطها. ألا يمكن القول أنّ إخوان الصفا بتراتيلهم الليلية في العراء وهم يستقبلون بجباههم النجم القطبي حاولوا أن يدعوا إلى دين جديد، لكن تعنت دولة الخلافة، وغلبة السياسة على العقل قد وأدت دعوتهم؟

محمد الدعمي: أعتقد أن قراءتكم لطقوس "إخوان الصفا" دقيقة للغاية. ومع ذلك، أجد شخصياً ثمة تناظرٍ بين ما ذكرته من طقوس وبين طقوس الطائفة المندائية (طائفة المغتسلة)، خاصة وأن كهنتها يحتفظون بأسرار، قد لا يعرفها حتى أتباع دينهم من غير طبقة الكهنوت. زد على ذلك، إفتراضيتي بامكانية أن يكون "إخوان الصفا" إحدى الأشكال الأولى للمنظمات السرية العالمية، نظراً لتشابهها مع تنظيم الماسونية العالمية. قد تكون هذه السرية وراء خوف السلطات في دولة الخلافة من "إخوان الصفا" ومحاربتها لهم حقبة ذاك.

 

..................

اقرأ/ي أيضًا: المزيد من مقالات موقع قنطرة

عاشوراء: بين إحياء السنّة وحزن الشيعة

ملف خاص حول الثورة الإسلامية في إيران

بين الشيعة والسنة :الفروق و المحددات حسب المصادر

الشيعة والسنة: هل من مبرر لكل هذا الكره؟

.................

 

"الحشاشون هم أقرب تنظيم إلى الحركات الارهابية المعاصرة المنبعثة من الاسلام الجديد"

 

غلاف كتاب  تخنيث الغرب ؛ مفاهيم التجديد والحرب للكاتب محمد الدعمي
إرتجع الإسلاميّون الجدد إلى أرشيف المعارضات الشيعيّة عبر التاريخ، مع إشارة خاصّة إلى تجارب "إخوان الصفا" و"الحشاشين"، لبلوغ حلم قوامه تلك الدولة المنتظرة. ونظراً لإعتماد الإسلاميين الجدد جدليّات التذكير والتأنيث المستوحاة أصلاً من نظرة صحراويّة دونيّة للمرأة، فإنهم واصلوا جدلهم ل"تخنيث" العالم الغربي في محاولة لقلب خطاب ذلك العالم الصناعي الذكوري الذي سبق وأن إخترق العالم الإسلامي الذي كان مستكيناً ومحجباً، منتهزاً فرصة مراحل النكوص والتردي التي ألمّت بالشعوب الإسلاميّة حقبة ذاك. لذا يقودنا الأستاذ الدعمي لتفحّص عدد من تشكلات وتشعبات الإسلام الجديد.

 

تحدثت بإسهاب في كتابك عن الحشاشين، التنظيم الذي تحصّن بقلعة " ألموت" في إيران بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر ميلادي، دفاع الحشاشين عن الطائفة الاسماعيلية النزارية (الشيعية)، ألا يمكن تشبيهه بدفاع عناصر داعش والقاعدة عن السلفية (السنية) اليوم؟

محمد الدعمي: بلى يمكن تشبيهه بداعش، بل أني أعتقد بأنّ هذا التقليد الإرهابي (الحشاشين) قد خدم باعتباره نموذجا لداعش لمحاكاته، من الناحية العملية، وليس من الناحية العقائدية، لأن داعش هي حركة "تقية" سنية وهي تعد التشيع على أشكاله خرقاً لمبدأ وحدانية الإله الوهابي، ولا بد من التذكير أني توسعت حول ذلك في كتابي.

فالحشاشون هم أقرب تنظيم إلى الحركات الارهابية المعاصرة المنبعثة من "الاسلام الجديد"، وفي لغة المنظمة نفسها يعرف الحشاشون باسم "الفداوية" أو "الفدائيون" وهو معادل تاريخي موضوعي لانتحاري القاعدة وداعش وما يشبهها اليوم، خاصة أن زعيمهم حسن صباح كان يقنع مريديه وأتباعه عن طريق القنب أو غيره، بأنّ الجنة في انتظارهم، وهو ما يعادل وعود يصدقها الانتحاريون اليوم بأنّ 70 حورية عذراء بكر تنتظرهم على أحر من الجمر في الجنة.

الغريب ان الحشاشين ظلوا يدافعون علنا عن الطائفة الاسماعيلية النزارية. الحشاشون والإرهابيون يلتقون في أن عقيدتهم تقوم على بث الرعب والترويع والارهاب.

 

"أمية الرسول الكريم (ص)، فهي ليست أمية مقنعة مثلها كمثل أمية قادة الجماعات السياسية الإسلامية اليوم"

البروفسور محمد الدعمي  باحث ومؤلف وأكاديمي عراقي ولد في عام  1955، عمل أستاذاً في المؤسسات الأكاديمية العراقية والعربية والأميركية لأكثر من 27 سنة، تسلم خلالها مناصب إدارية وعضويات اللجان العلمية، علاوة على عمله مستشاراً في بيت الحكمة وعضويته لعدد كبير من الجمعيات المتخصصة
البروفسور محمد الدعمي باحث ومؤلف وأكاديمي عراقي ولد في عام 1955، عمل أستاذاً في المؤسسات الأكاديمية العراقية والعربية والأميركية لأكثر من 27 سنة، تسلم خلالها مناصب إدارية وعضويات اللجان العلمية، علاوة على عمله مستشاراً في بيت الحكمة وعضويته لعدد كبير من الجمعيات المتخصصة

من مجمل ما ظهر في كتابك يصل القارئ إلى أنّ النبي الأمّي قطعا كان أمّيا وليس كما يحاول البعض اليوم تبريره وشرحه، أليس في هذا تماهياً مع أنّ قادة الإسلام السياسي اليوم هم أشباه أميين دون أن نورد تسميات، وهكذا فإنّهم يقودون قطعاناً من الجهلة كما جرى في عصر الرسالة؟

محمد الدعمي: هم ليسوا مجرد أشباه أميين بالمعنى الدقيق للكلمة، ليس فقط بسبب تدني ثقافتهم وإنغلاق عقولهم، ولكن كذلك بسبب إعتمادهم الغيبيات والخرافة وإحالة التقليد الروحي الإسلامي الى مجرد "حكاية فولكلورية"!

أما أمية الرسول الكريم (ص)، فهي ليست أمية مقنعة مثلها كمثل أمية قادة الجماعات السياسية الإسلامية اليوم، خاصة هؤلاء الذين يحكمون في العراق ويوظفون الدين للنهب وللانتقام والثأر، لبالغ الأسف.

س. جماعة الإسلام الجديد ورائدهم بن تيمية كما يكشف كتابك، التقوا اليوم في عصر الدولة الحديثة بالقوميين، هل تضع الإخوان المسلمين ضمن خانة الإسلام الجديد؟ كيف اختلفوا إذاً مع الناصرية والبعث؟

محمد الدعمي: "الإخوان المسلمون" هم جماعة من أهم واجهات الإسلام الجديد المستنيرة، إلا أنهم إنزلقوا الى الكفاح اللاسياسي في الآونة الأخيرة، بالرغم من أنهم لم يخسروا ميزاتهم في إحترام التشيع وتقدير تجربته.

أما إختلافهم مع القوميين، فهو تقاطع عقائدي جذري لا يمكن، بأي حال من الأحوال، التغاضي عنه، بدليل سعيهم لدولة خلافة، وليس لدولة قومية على الخطى البسماركية التي إنطلقت في عالمنا العربي والشرق الأوسطي بعناوين من نوع "تركيا الفتاة" و"العربية الفتاة".

لقد قسّم أحمد عبد الوهاب العالم إلى دار الإسلام، ودار الكفر، دار الإسلام هي الوهابية السلفية فحسب ومن يحكمها هو "الامام"، ودار الكفر هو كل العالم المخالف للسلفية ومن يحكمه هو" أمير المؤمنين"، والذي يتحول أي مسلم بمجرد الدخول اليه إلى مقاتل يبغي الاصلاح.

وفي الحديث عن الدولة الديمقراطية فإنّ من نافلة القول أنّ الديموقراطية لا يمكن أن تحيا وتزدهر في الشرق الأوسط مع وجود جيوش قوية (في الدول القومية). وعبر تاريخ صراع الإخوان مع القوميين، فإنّ أغلب الإخوان المسلمين كانوا دائما يفضلون المنفى السعودي عند تخييرهم ولنفيهم من مصر بسبب نقاط الالتقاء بينهم وبين الوهابيين.

 

 

أجرى الحوار: ملهم الملائكة

حقوق النشر: قنطرة 2020

 

*البروفسور محمد الدعمي  باحث ومؤلف وأكاديمي عراقي ولد في عام  1955، عمل أستاذاً في المؤسسات الأكاديمية العراقية والعربية والأميركية لأكثر من 27 سنة، تسلم خلالها مناصب إدارية وعضويات اللجان العلمية، علاوة على عمله مستشاراً في بيت الحكمة وعضويته لعدد كبير من الجمعيات المتخصصة. شارك وحاضر في عدد كبير من المؤتمرات العلمية، تجاوزت مؤلفاته 6  كتب باللغة العربية و 6  كتب باللغة الإنكليزية، علاوة على عشرات الأبحاث المنشورة باللغتين في مجلات محكمة عالمية وعربية.

 

اقرأ/ي أيضًا: المزيد من مقالات موقع قنطرة

السنة والشيعة: خلاف سياسي بامتياز؟

"لا يمكن الحديث عن تناحر مستمر بين العرب والفرس"

التصالح السني الشيعي...مفتاح للاستقرار العالمي

أمين معلوف يحذر من "غرق الحضارات" وتداعيات الفوضى القاتلة

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة