كيف تبدو تلك اللغة الجديدة لو كنتَ أنت المستشار الأمني الجديد لبايدن؟

عمري بوم: الحمد لله أنني لست مستشارًا له، بل إنني أستاذ فلسفة. ولكني أعتقد أنَّ الأمر يتعلق بأسئلة استراتيجية: كيف يمكننا التوصُّل إلى نوع جديد من السياسة؟ وكيف يمكن أن يكون شكل البديل لحلّ الدولتين الفاشل؟ من المعروف أنَّ الولايات المتَّحدة الأمريكية تريد في عهد بايدن إعادة احترام القانون والتعاون الدوليين والانضمام مرة أخرى إلى الاتِّفاق النووي مع إيران واتّفاقية باريس للمناخ.

وعندئذ يجب عليهم أيضًا التراجع عن قرارات ترامب الكارثية بشأن إسرائيل وفلسطين، مثل الاعتراف بضم مرتفعات الجولان ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس وَ "صفقة القرن" - ولكن من دون العودة إلى النموذج القديم. أنصح وبشكل مُلِحّ بأن يكون التوجُّه وفق حقّ الشعبين في تقرير المصير، والذي يمكن التعبير عنه على شكل اتِّحاد فيدرالي إسرائيلي فلسطيني.

"جمهورية حيفا" الفاضلة

هذا الحلّ المثالي اسمه في كتابك "جمهورية حيفا". فهل يمكنك أن تشرح ما المقصود بذلك؟

عمري بوم: تعود فكرة "جمهورية حيفا" إلى خطة الحكم الذاتي الموضوعة من قِبَل مناحيم بيغن، والتي تم قبولها في الكنيست عام 1977 في مرحلة التحضير لاتِّفاقية السلام الإسرائيلية المصرية. صحيح أنَّها تنص على عدم قيام دولة فلسطينية - مناحيم بيغن كان يرفض قيام دولة فلسطينية رفضًا قاطعًا - ولكنها كانت تتيح حقَّ تقرير المصير الوطني للفلسطينيين وتتضمَّن على الأقل أيضًا حقًا محدودًا في عودة اللاجئين الفلسطينيين.

والأهم من ذلك أنَّ جميع الفلسطينيين كان من المفترض منحهم الفرصة ليصبحوا مواطنين إسرائيليين. هذه الخطة لم يتم تنفيذها قطّ. ولكن سيكون من المفيد الاهتمام مرة أخرى بجوهرها - خاصةً لأنَّها قد تم اقتراحها من قِبَل شخص مثل مناحيم بيغِن ولذلك من الصعب جدًا رفضها واعتبارها "معادية للصهيونية".

 

 

يجب بطبيعة الحال تعريف الفكرة من جديد وإضفاء طابع الشرعية عليها. بإمكان الدولة الاتِّحادية أن تحقِّق حقّ الشعبين في تقرير المصير الوطني ضمن دولتين اتحاديتين على امتداد حدود عام 1967، ويجب أن يُنَظِم دستورٌ مشترك الحقوقَ الفردية والوطنية، وأن تكون هناك مؤسَّسات مشتركة ومحكمة دستورية في حيفا، وبين هاتين الدولتين الاتِّحاديتين تسري حرّية غير مقيَّدة لحركة البضائع والأشخاص وهذا يعني في كلِّ أراضي الدولة، بحيث يكون لكلِّ شخص داخل منطقة فلسطين التاريخية كامل الحقوق المدنية. الفكرة الجوهرية لجمهورية حيفا هي الحقوق المتساوية لجميع مواطنيها.

من المعروف أنَّ فكرة الاتِّحاد الفيدرالي ليست جديدة، ولا يتم نقاشها حتى الآن إلَّا بشكل أكاديمي ويُنظر إليها على أنَّها غير واقعية. برأيك هل هي كذلك؟

عمري بوم: توجد أيضًا مبادرات سياسية مثل حملة "دولتان في وطن واحد"، ولكن جاذبيتها لا تزال ضعيفة حتى الآن. وهذا يعود إلى كون اليسار الإسرائيلي قد اختفى تمامًا تقريبًا بسبب عدم تمكُّنه من تطوير بدائل سياسية ذات صلة. ولذلك يجب علينا أن نجد البدائل. وذلك لأنَّ اليمين يبدو في الوقت الحالي هو فقط "الواقعي". غير أنَّ تصوُّره للواقع يدفعنا أكثر نحو الضمّ والتهجير، اللذين هما في آخر المطاف هدف الرؤى اليمينية، والكثيرون يقول ذلك بصراحة أيضًا. فما هو البديل عن ذلك؟ الاستمرار في الإصرار على حلّ الدولتين على الرغم من فشله بوضوح؟ بالتاكيد لا.

إنَّ فكرة التمكُّن في المستقبل من تجنُّب حدوث سيناريو الفصل العنصري عندما يكون أكثر من خمسين في المائة من المواطنين من غير اليهود هي فكرة غير واقعية. ولذلك فإنَّ فكرة الاتِّحاد الفيدرالي هي الخيار الواقعي الوحيد في الوقت الحالي إنْ أردنا الدفاع عن تمتُّع الجميع بحقوق متساوية. يجب عدم الخلط هنا بين ما هو "واقعي" وما هو "بسيط". ولكن يجب علينا العمل من أجل التغلب على لحظة غرامشي هذه: "القديم يموت والجديد لا يمكن أن يولد". [غرامشي هو فيلسوف إيطالي يساري].

الانتخابات في إسرائيل إلى اليمين أم إلى اليمين المتشدِّد؟

من المنتظر في إسرائيل إجراء انتخابات أخرى. يبدو بالنظر إلى استطلاعات الرأي أنَّ السؤال الأرجح هو: هل سيفوز اليمين أم اليمين المتشدِّد؟

عمري بوم: هذا صحيح. اليسار الإسرائيلي في الحضيض. وبقاياه تضفي طابع الشرعية على اليمين. وفقط من أجل التخلص من بنيامين نتنياهو، يدعم اليساريون مرشَّحين مثل جدعون ساعر وأفيغدور ليبرمان ونفتالي بينيت، وجميعهم يمينيون أكثر من اليمين. وحتى أنَّ حزب ميرِتس اليساري يسير في مسارهم. الحزب الوحيد الذي ينأى بنفسه عن اليمين ويواجهه هو حاليًا القائمة العربية الموحَّدة [تحالف قائم منذ عام 2015 بقيادة أيمن عودة بين حزب يهودي-عربي وثلاثة أحزاب عربية].

 

 
 

الكثيرون من اليساريين يعرفون أنَّ حلَّ الدولتين قد انتهى. ولكنهم لا يستطيعون "كَصهاينة جيِّدين" التخلي عن فكرة الدولة اليهودية. والحلفاء الأفضل في هذا الطريق هم الإسرائيليون الفلسطينيون. صحيح أنَّ القائمة الموحَّدة تدعم رسميًا حلَّ الدولتين، ولكن بإمكانها أيضًا أن تتجاوزه. عندما يُصوِّت الناخبون اليهود لصالح ممثِّلين عرب، وعندما تكون القائمة الموحَّدة الخيارَ الأكثر ليبراليةً لأنَّها تدعم الدولة العلمانية وحقَّ المواطنة والمساواة في الحقوق المدنية، وعندما يرى والدي -وهو ضابط احتياط في الجيش الإسرائيلي وابن لناجين من الهولوكوست (محرقة اليهود النازية)- أنَّ القائمة الموحَّدة تُمثِّله أفضل تمثيل: فعندئذ يكون هذا بالنسبة لي هو الدليل على أنَّ السياسة المشتركة ممكنة.

من الممكن قيام تحالف جديد بين المواطنين العرب واليهود. يجب علينا أن ندرك أنَّ الهوية يجب ألَّا تكون ضرورية من أجل مبدأ التمثيل: وعندها يمكننا تجاوز الانقسامات. عند هذه النقطة يقول المنتقدون: وماذا عن المسلحين الفلسطينيين مثل حماس؟ نحن لسنا بصدد الحديث حول ذلك هنا. يجب أولًا أن تبدأ هذه السياسة المشتركة في إسرائيل. لسوء الحظّ أنَّ القائمة (العربية) الموحَّدة ليست في وضع جيِّد حاليًا. قبل بضعة أسابيع كنتُ أكثر تفاؤلًا. لكنها لسوء الحظّ لن تحقِّق نتائج جيِّدة في الانتخابات القادمة. ولكن مع ذلك يجب علينا أن ندعم هذا النوع من السياسة.

برأيك في أي عام سيُصوِّت الكنيست على "جمهورية حيفا"؟

عمري بوم: غالبًا ما يُنجِز التاريخُ نفسَه بأسرع مما نعتقد. لا أعرف متى ولكنني أعتقد أنَّنا سنرى مثل هذا التصويت. آمل ألَّا نشهد قبل ذلك شكلًا من أشكال العنف يفوق كلَّ ما حدث حتى الآن.

 

 

حاوره: رينيه فيلدأنغل

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

 

عُمري بوم أستاذ للفلسفة في المعهد الجديد للبحوث الاجتماعية في نيويورك. في كتابه الصادر في شهر حزيران/يونيو 2020 بالألمانية تحت عنوان "مستقبل لإسرائيل"، يطرح فكرة "جمهورية حيفا" المبنية على المبادئ الفيدرالية والمستندة إلى اقتراح من مناحيم بيغِن في عام 1977. خطة الحكم الذاتي المقدَّمة من مناحيم بيغن كـ"إطار عمل للسلام في الشرق الأوسط" أصبحت جزءًا من اتِّفاقية كامب ديفيد بين إسرائيل ومصر في عام 1978.

 

........................................

طالع أيضاً

على موقف أوروبا الاستقلال عن أمريكا حول فلسطين  

الجامعة العربية ترفض شرعنة ترامب للاحتلال الإسرائيلي   

القدس ليست للبيع - رد الفلسطينيين على خطة ترامب  

ضربات ترامب القاتلة لعملية السلام المتعثرة في الشرق الأوسط  

مفاجأة نتنياهو...المستوطن يتحول إلى ضحية

المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه: "إسرائيل تخشى ديمقراطيات عربية فاعلة في فلسطين"

أساطير "محور المقاومة" في إيران ولبنان واليمن وسوريا والعراق

هل يلغي الأردن اتفاق السلام مع إسرائيل إذا ضمت الضفة الغربية؟

معركة الأردن ضد صفقة القرن وجائحة كورونا

........................................

 

 

 

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة