فهل العرفان جزء من اللاهوت؟ ذلك كله يعتمد على معنى اللاهوت، إنْ ترجمنا اللاهوت إلى "علم الكلام"، فهو ليس جزءاً من اللاهوت، لأن اللاهوت -في هذه الحالة- يعني علماً إيضاحياً، أي البحث عن الخطى، والعمل مع البرهان والدليل.

غير أن العارف لا ينظر إلى الدليل، فهو يسعى إلى الشيء نفسه وليس عن علامات عنه. إذاً فالصوفية لا يمكنها أن تكون جزءاً من علم الكلام بالمعنى التقليدي للاهوت الإسلامي. في الفكر الإسلامي التقليدي، اللاهوت والصوفية منهجان مختلفان تماماً.

بوصفك مؤمناً قوياً بالتعددية، هل تعتقد أنه من الممكن الدفاع عن موقف التعددية من داخل الإطار الديني؟ في النهاية، يرى كل دين نفسه بوصفه الدرب الصحيح الوحيد إلى الله، مما لا يترك مجالاً كبيراً للتعددية الحقيقية.

عبد الكريم سروش: هذا صحيح. فالأنبياء ليسوا تعدديين جيدين. دعوني أعطيكم مثالاً: تخيلوا سوقاً، يعجُّ بمتاجر مختلفة. يروِّج كل صاحب متجر لمتجره. هذا هو الأمر الأكثر طبيعية في العالم. أنا لن أروّج لمتجرك، وأنت لن تروّج لمتجري، بيد أن كل واحد منا يحاول أن يكون ناجحاً قدر الإمكان عبر جذب أكبر عدد ممكن من الزبائن.

لكن ماذا عن الزبائن؟ إنهم في السوق ويشاهدون عدداً من المتاجر التي تسعى لجذب الزبون. ينبغي عليهم أن يكونوا تعدديين، فأصحاب المتاجر ليسوا تعدديين، بيد أن السوق هو مكان تعددية. لم يكن نبي الإسلام تعددياً، ولم يكن نبي المسيحية تعددياً كذلك، والقائمة تطول. 

غير أنني كزبون يمكنني أن أرى عدداً من المتاجر أمامي. فأفكر، حسناً، من الممكن أن أشتري القليل مما أحتاجه من هذا المتجر والبعض من الآخر. كما تعني التعددية أنه ينبغي عليك أيضاً أن تسمح لكل هذه المتاجر أن تفتح وتعمل. لا يمكنك أن تسمح لمتجر واحد أن يفتح وتُغلِق كل البقية. ما وصفته للتو هو نوعي من التعددية.

من وجهة النظر اللاهوتية، قد يأخذ السؤال منعطفاً آخر. هل كلنا سواسية، متساوون عند الله، بصرف النظر عن ديننا؟ هناك العديد من الأديان في العالم، حتى أنه توجد أيديولوجيات لا تسمي نفسها ديناً. فماذا ينبغي أن يفعل الله معهم؟ أخشى أنني لا أملك جواباً لهذا لأنني لست الله. بيد أنه يمكنني القول طالما أننا نسعى إلى الحق فسنُخلَّص - لا يهم إن كنا مسيحيين أو مسلمين أو من أي ديانة أخرى.

طبعاً سيقول نبي أي دين تعالوا إلي، لا تذهبوا إلى الآخرين، بيد أنني كزبون في السوق يمكن أن اختار لمن يجب أن أذهب. كل ما يهم هو أنني أسعى وراء الحق، وأنني مستقيم وأتصرف بنزاهة. الهدف، غاية جميع الأديان هي فقط جعلنا بشراً مستقيمين.

كان الصوفيون أنبياء التعددية. فالرومي على سبيل المثال لديه العديد من الأشياء ليقولها حول التعددية. هو يقول النور واحد، لكن المصابيح تختلف. فالمصابيحُ المختلفة تعني أدياناً مختلفة، غير أن النور داخل المصباح هو ذاته، سواء حصلنا عليه من هذا المصباح المحدد أو غيره. الحق هو فوق الدين والتديّن. والأديان تبحث عن الحق. فإن وجدنا الحق حينها ينبغي علينا اتباعه.

 

 

 
حوار: دارا ألاني 
ترجمة: يسرى مرعي
حقوق النشر: موقع قنطرة 2018
 
 
 
 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.