رغم ضلوعك اللافت في الفكر العربي الإسلامي، إلا أنك لم تخوضي، تأليفاً، في هذا المضمار. ألذلك علاقة بعدم كفاية المهارات، أم خشية التسلّل إلى تخصص آخر أو حقل معرفي محفوف بالفخاخ، أم ماذا؟

زليخة أبو ريشة: كان لقراءاتي المعمَّقة في الإسلاميات سبب شخصيّ؛ إذ تخصصي واهتماماتي كانت في اللغة والأدب العربي. ولكن في فترة من حياتي حوصرتُ بالنصّ المقدَّس لإرغامي أن يدير حياتي وعلاقاتي ومظهري، وكنت أفتقر إلى المعرفة، فذهبتُ إليها، محفوفةً بشعور غريزيّ أنه لا يمكن للنصِّ المقدَّس إلا أن يكون عادلاً، وأن كلَّ ما أُدعَى إلى تطبيقه ليس إلا تفسيرَ هوىً ونتاجَ آلةٍ بطركية ذكوريّة ضخمة لإعادة إنتاج السلطة على المرأة أولاً.

وهكذا وقعت على تاريخيّة الإسلام، أي أنّ نصوصه خاضعة لظروفها وأسباب "نزولها"، وأنّ التدريجيّة الزمنية، التي تحدَّث عنها الطاهر حداد في ثلاثينات القرن الماضي، تُفضي إلى عدل مطلق ومساواة مطلقة بين البشر (حيث لا تعدد زوجات، ولا حجاب، ولا نصف شهادة أو إرث، ولا رقّ ولا عبيد)، وأنّ الفقه الإسلامي بشريٌّ من أَلِفِه إلى يائه، يعتريه فسادُ الرؤية والرأي، بل إنّ الشريعة الإسلامية (خارج العقيدة والعبادات والأخلاق) كلها عَلمانية، أي تخضع لاجتهاد البشر وحسب المصلحة العامة.

هذه النتائج التي توصَّلتُ إليها آنذاك دفعتني إلى كتابة المقالات فيها وتلقّي نيران الخصوم الإسلامويين، ما دمتُ قد زعزعتُ، أو هدّدتُ بزعزعة، اليقينَ الثابتَ المستقرَّ لديهم، أو بالأحرى السلطة التي يملكونها باسم الدين لخلقِ قطعان منضبطة.

 مقالة للكاتبة الأردنية في صحيفة "الغد" اليومية زليخة أبو ريشة بعنوان "غسيل الأدمغة" - See more at: https://www.alaraby.co.uk/medianews/2016/7/4/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84-%D8%B2%D9%84%D9%8A%D8%AE%D8%A9-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%B1%D9%8A%D8%B4%D8%A9-%D9%8A%D8%AB%D9%8A%D8%B1-%D8%AC%D8%AF%D9%84%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86#sthash.HxO9Or2p.dpuf
أثارت مقالة زليخة أبو ريشة في صحيفة "الغد" اليومية بعنوان "غسيل الأدمغة" موجةً من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بين مؤيد لما طرحته الكاتبة من فكر اعتبروه تنويريا يصب في سياق محاصرة الفكر المتطرف عبر محاصرة مراكز إنتاجه، ومن معارضين رأوا فيما طرحته الكاتبة إساءة للدين الإسلامي مطالبين بمحاكمتها ومنعها من الكتابة.

أما التأليف في كتب فما الذي سأضيفه؟ هل سأضيفُ شيئاً على العظيم محمد أركون؟ أو على سيد القمني أو محمد شحرور أو الطاهر حداد أو محمد عابد الجابري أو مصطفى عبد الرازق أو جمال البنا؟ إن ما أكتبه في المقالات في الإسلاميّات لا يعدو أنه صدىً، بدرجةٍ أو بأخرى، لقراءاتي واختياراتي.. وعندما أكتشف منطقةً تحتاج إلى حفرٍ في هذا الحقل فسأنهض إليها. وسأُفضي إليك بسرّ صغيرٍ؛ وهو أني لا أبحثُ إلّا في الحقول البكر. فعلتُ ذلكَ في "نحو نظريّة في أدبِ الأطفال" ()، وفي "اللغة الغائبة: نحو لغة غير جنسوية" ()، و"أنثى اللغة: أوراق في الخطاب والجنس" ()، حيثُ كانت الإشاراتُ إلى هذين الحقلين؛ أدب الأطفال، واللغة والجندر، في المدونة العربية نادرة، والمعاني غير واضحة.

تكتبين، في الصحافة، بحرية ترتفع وتتدنّى بحسب السقف. هل لديك سقف، كيف تراودين الرقيب الذي في داخلك عن نفسه، فيغرق في النوم، وتصحو أفكارك المشاغبة؟

زليخة أبو ريشة: يبدو أن لتكويني الشخصي دخلاً في موضوع السَّقف، فمنذ الصغر كان لديّ نزوعٌ ما نحو الحريّة، وابتدأ معي وأنا مراهقة بموضوع المرأة، حيث كنت أتحسّس ألَمَ أن تكون المرأة أقلّ. ثم، مع الوعي، انصرفتُ إلى الحريّة خارج كلِّ إطارٍ إلا الإطار الأخلاقي بمعناه العميق. ولذا كان عليّ أن أناضل على المستوى الشخصيّ لإخراج نفسي من زنزانة الزواج التي كتبت عليها الثقافةُ الذكوريّة الأبوية أن تكون عبوديّة للمرأة باسم الدين وباسم "أعرافنا وتقاليدنا" حيثُ لخّصتها بمجموعتي القصصيّة "في الزنزانة"! وهذا الفعل بحدِّ ذاته كان إيذاناً بإعادة تعريف الشجاعة والحرية، والدخول إلى الوعر لاكتشاف ما تَعِد به مغامرةُ الحريّة. وقد ساعدني في هذا أني عاينتُ إمكانات الحرية لدى شعوبٍ أخرى وثقافاتٍ أخرى، عندما عشتُ في مجتمعٍ لا يدير وجهه، عندما أمرُّ به، ليتأمَّل قفاي، أو ليدسَّ ذكورته في خصري أو صدري، أو لا يستهجن آرائي، أو لا يعلّق على خياراتي.  الرقيب الداخليّ يفرُّ في هذه الثقافات أو ينتحر، ويقف الضميرُ والقانون وحدَهما حارسَيْن لك. ولذا لا سقف يُذكرُ عندي، سوى أني أراعي أحياناً، بالاحتيال والحكمةِ التي علّمتنيها رئيسةُ التحرير الباسلة مؤخَّراً، سقفَ الجريدة التي أنشر فيها. أما الشعر والأدب والإبداع فلا سقف للحريّة فيها.

في شعرك نوع من "الإيروتيكا" هل للأمر اتصال بحالة التمرد التي تسكن في المخيلة؟

زليخة أبو ريشة: الجسديّ الحسيّ والروحيّ المعنويّ ضفيرة مهمة في تجربتي. ولربما أنها أتتني من الشعر الصوفيّ الذي يظهر فيه الحسيّ ترميزاً للروحيّ، فهناك عيون ذابلة وخدود متوهجة وقُبَلٌ وريقٌ بارد وعناق وصبوات. ولربما من الشعر الجاهلي الذي درستُه بحبٍّ وتعمّق، ووجدته يجوسُ في ديار المرأة وجسدها كمعبودةٍ! ولربما من افتتاني في وقتٍ مبكّر بشعر بني عُذرة ومما تنشّقتُ من دخانِ حريقِ لوعاته! ولربما من هذا كلّه!! وقد وصفتُ نفسي يوماً في شهادةٍ لي أني في الحبِّ والشعر "ابنةُ كَمالَيْن: كمالِ الجسد في الشعر الجاهلي وكمال الروح في التجربة الصوفيّة".

ولذا تشكَّل مصيري الشعري من هذا المِزاج، ولا أرى ثالث لهما. وما تنسبه إلى الإيروتيكا هو منسوبٌ أصلاً إلى حرية القول في المذاهب الطبيعية.. حرية تأليف المشاعر والصور.. حرية الإحساس البشريّ بالذات وبالآخر.. حرية الإباحيّة.. أجل الإباحية! الإباحية التي ليست حكماً أخلاقيّاً والتي تعبد الحرية ولا تخرج عنها.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.