مررت في بداية حياتك بأزمة الزيّ، عندما خلعت الحجاب. هل كان الخلع رمزياً أم أنه تساوق مع خلع لأفكار وذهاب نحو أفكار أخرى؟

زليخة أبو ريشة: لطالما كان الحجابُ عندي مشكلةً، ومنذ الطفولة. ففي بيت صوفيٍّ محافظ كانت النساء فيه بأغطية الرأس في داخل المنزل وبأغطية الوجه في خارجه (وكان هذا في دمشق)، كان عليَّ أن ألحقَ بهن؛ فصرتُ أضع الإيشارب خارج البيت وأنا طفلةٌ في التاسعة، ثمَّ أجبِرتُ على منديل الوجه لمدة عامٍ كم كان ثقيلاً. كنتُ مُدركةً أن هذا الحجاب مفروضٌ عليَّ كأنثى، وأنه يقيّد إنسانيّتي ويزدريها، وأنه ينضافُ إلى قائمة الممنوعات مجتمعياً على الأنثى أن تفعله، وأنني أكرهه. وقد أنقذني منه أنّ الأسرة انتقلت إلى عمان في بداية الستينات، وأنّ عمان ليس فيها غطاء الوجه هذا.. فظلَّ الإيشارب الذي لم يستعمله سواي من بنات جيلي. ولكني في الجامعة حوَّلته إلى غطاء أبيض طويل (يانس) كان يلفت النظر أكثر مما يتوافر عليه حجاب. فعلتُ ذلك إكراماً لوالدي الذي نشأ في الزاوية اليشرطيّة الشاذلية في عكا، حيث جميع النساء يستخدمنه، وإكراماً لوالدتي التي كان غطاء لرأسها ولم أرها يوماً من دونه. ولكن أن يتحوَّل إلى مقدَّسٍ وفرض، فذلك ما عدتُ أطيقه! فقد طال الحِجاجُ حوله، وصار من الأوَّليات، وتعرّضَ للأدلجة، ورُبط بالتُّقَى والورع والأخلاق.. فاندفعتُ أبحث خارج كهنوت الإخوان عن حقيقة الحِجاب في القرآن حتى وجدتُها، ولما وجدتُها خلعته. وطبعاً كان خلعه رمزياً (على عكس سؤالك)، أي إني خلعت معه كثيراً من اليقينات والأفكار والتأليهات الفارغة. ومن هناك استمرت الرحلة وإلى الآن في البحث والتنقيب، ولن تتوقف حتى النفس الأخير.

ماذا يعني التنوير وفق فهم عبد الغفار مكاوي
المحلل السياسي مروان المعشّر: الحملة الشرسة ضد الكاتبة والمربية الفاضلة زليخة أبو ريشة، ليست معركة بين الدين والتنوير، كما يريد مطلقو الحملة أن يصوروها؛ والدين لم يكن يوما ضد التنوير. وهي ليست حملة موجهة ضد السيدة أبو ريشة فقط، ولكنها حملة ضد كل من يجرؤ على الوقوف أمام من يصر على تفسيرات ضيقة للدين لا تصمد أمام البحث والتمحيص الديني نفسه، وضد كل من يدعو لمحاربة الانغلاق والتعصب.

وضعتِ مؤلفات عن ذكورية اللغة، ومضيت تحاولين إيجاد قاموس لغوي يمحو أو يخفف من الهيمنة الذكورية على اللغة، هل بالإمكان تحقيق ذلك، أم أنّ الأمر يزيد اللغة مشقة فوق مشقتها؟

زليخة أبو ريشة: اللغة أداتي الأولى ومادتي الأولى وبيئة تفكيري وكتابتي، ولذا كان طبيعيّاً أن يتبلور اهتمامي بها عندما أخذ وعيي بقضية المرأة وبالجندر يتشكَّل. وقد قادني هذا الوعي إلى فحص اللغة كمادة ثقافية يستترُ فيها الوجَل الذكوريّ من المرأة، والتحيّز ضدّها، بل وأحياناً كثيرة كرهها (Misogyny). ذلك أن اللغة حاملةٌ ومحمولة، وتأثير ومؤثِّر، وفاعلةٌ ومفعول بها. وكانت النتيجة كتابيَّ: "اللغة الغائبة: نحو لغة غير جنسوية" (1996 عمان)، و"أنثى اللغة" (2009، دار المدى، دمشق). وهما محاولتان لتخليص اللغة من ذكورية الثقافة.

إلا أنّ الأمر ليس بهذه البساطة. فمع أنّ علم اجتماع اللغة ينضوي تحته علم "التخطيط اللغوي" الذي يهدف إلى إحداث تغيير وتوجيه في استعمال اللغة مبنيٍّ على تصور ودرسٍ، أي أن لا تُترَك اللغة لتُحدِثَ فيها التغييرَ ظروفُ المجتمع وتطورُه، إلا أنّ التغيير المطلوب حدوثه في إطار الجندر يمسُّ منطقةً عميقةً بعيدة الغور في الثقافة والتاريخ، مما يجعلُ المسَّ بها يصلُ إلى بنية التعبير العربي وطريقة إنشائه. فمن أجل أن يكون النصُّ عادلاً مع المرأة سيصبح النصُّ مهلهَلاً ركيكاً؛ مثل أن لا تكفَّ عن مخاطبة النساء كما الرجال، أو ذكر النساء كما الرجال في كلِّ مهمة يشتركان فيها. مع العلم أنّ العربيّة تختلف عن الإنجليزية مثلاً في أنّ التأنيث يطال الأسماء والأفعال والضمائر المنفصلة والمتصلة.. يعني إن أردت أن تذكر المعلمات والمعلمين فسيتبع ذلك تأنيث الأفعال وتذكيرها، ثم تذكير الصفات وتأنيثها، ثم تأنيث الضمائر وتذكيرها.... وهكذا. وهو مأزقٌ ما زلتُ أواجهه وأحتال عليه بالهروب أحياناً إلى جمع المتكلم، وإلى المثنى أحياناً.

أنت ناقمة على الإسلاميين أو المتأسلمين، وهم ناقمون عليك.. ألم تلن قناتك؟

زليخة أبو ريشة: لا تلين ما داموا يصادرون الحياة والمصائر. إنهم، وكلُّ من يماثلهم من الأيدولوجيات الأخرى، الخطر الأكبر على البشريّة، لأنَّ عقيدتهم تقومُ على استبدادٍ مطلَق بالبشر باسم الدين، حيثُ يتحوَّلُ أيُّ جاهلٍ أو "زنديقٍ" أو "قاطع طريق" أو "فاسق" إلى قاضٍ "شريفٍ" وجلّاد... ولذا هم مشروعُ فوضى كونيّة هدّامة، ومستنقعٍ فاحشِ المساحة والدَّور لتخريبِ العمرانِ الإنسانيّ، وتقويضِ أساساتِه.

لك آراء ومواقف من كتابة المناهج المدرسية في الأردن. وقد وعد المسؤولون بتصويب الأمر في المستقبل. هل يمكن الثقة بتلك الوعود؟

زليخة أبو ريشة: كتبتُ كثيراً في هذا الموضوع، وتحركتُ فيه مع خبراء آخرين (حسني عايش، د. ذوقان عبيدات... وغيرهما) في مجتمعي، ندواتٍ وإعلاماً وحملات توعية وتحريضاً إيجابيّاً. وقد أدّى هذا الحراك القويّ والمُمَنهج إلى الضغط على أعلى طبقة، ولا أقصد الحكومة التي تقاومُ كلَّ تغيير، فكان الضغطُ عليها آتياً من فوق، وليس من تحت حيثُ هناك نحن الكتابَ المختصين والمختصّات نوصَفُ بأننا "هواة" و"لم نطلع على الكتب"... يعني جَهَلةٌ ومفتَرون! وفعلاً حدثَ تغييرٌ في الكتبِ المدرسيّة، لا في المناهج التي ظلّت على غبائها وسطحيّتها وتخلُّفها. وهذا يريك كيفَ يُفهَمُ الإصلاحُ في بلدي!

ولأنَّهم استعجلوا الاستجابة للضغط الفوقي، أخرجوا الكتبَ دون تخطيطٍ واعٍ ومدروس. ومع أنّ الكتبَ المدرسيّةَ المعدَّلة توافرت على قدرٍ جيّدٍ من الإصلاح، إلا أنّ هجمةً شرسةً من قوى الشدِّ العكسي وقوى الإسلام السياسي والمُتَأخْوِن أقامت الدنيا، وملأت فضاء التواصل الاجتماعي بالزعيق وبالوعيدِ والتهديدِ والتكفير، وأُحرِقَت الكتب الجديدة في مشاهد حزينة أُشرِكَ فيها طلبةُ المدارس، وأُرسِلَت تهديدات بالقتل لي ولحسني عايش ود. ذوقان عبيدات وآخرين، على اعتبار أنّا "مسؤولون" عن هذا "التحريف" للكتب المدرسيّة وكأنَّها "مُنَزَّلة"!!

بعد كل هذا وفوقه، هل نثق بالحكومة للقيام بأيِّ إصلاح؟ فقط هناك أمل واحد في وزيرٍ واحد، من مجموعة صغيرة من الوزراء المتنورين، جاء إلى وزارة التربية هو د. عمر الرزاز، الذي استُقبِلَ أسوأ استقبال وأكثره إسفافاً، من القوى ذاتها التي تكرهُ إلا أن يظلَّ الشعبُ قطيعاً! وعلى هذا الوزير والعدد القليل نعقدُ الأمل.

"نعقد الأمل".. تختمين مقالاتك باستمرار بعبارة "دعونا لا نفقد الأمل" هل ثمة أمل، وأين يتبلور أو يتجسّد؟

زليخة أبو ريشة: لا أستطيع أن أتنازل عن الأمل، مع أنَّك إن قلَّبتَ الكلمة، وجدتَ صداها في "ألم". وهذا الألم الهائل الذي نغسل به وجوهنا صباحاً ونغطّي به أرواحنا مساءً وطوال الوقت، لآملُ أن يكون هو المخاض الذي سينبلجُ عنه صبحٌ ما.. لا الحضيض الذي تحته حضيض وتحته حضيض!

وقد أجد الأمل في فقاعات من الأوكسجين تنبتُ وسطَ هذا "الخراب القطيعيّ". فقاعات وجيوب فيها شبابٌ واعٍ يتحرّك، تنويريون وتنويريات ومبادرات لم ترد في تاريخنا الثقافي والمجتمعي من قبل؛ مبادرات في الفنون، في تحقيق الجمال، في الإصلاح، في النضال من أجل العدالة وضد النظام البطركيّ والسياسيّ المتجهّم والفاسد، ضدّ الفساد، حملات للتضامن والاتحاد العَلمانيّ، ارتفاع صوت الأحرار، التقاء الأحرار والتنويريين والتنويريات في حلقات، مقاومة الاستبداد..... كل ذلك لمّا أراه أعرف أنّ الأمل والتغيير قادمان.

 

حاورها: موسى برهومة

حقوق النشر: قنطرة 2017

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.