كيف يمكن إحياء التصوف الإسلامي، فالمعروف حاليا أن القراءات "القَويمة" للإسلام هي السائدة. فرغم اختلافات الطوائف الإسلامية فيما بينها، إلا أنها تكاد تتفق على رفض الباطنيين والمتصوفين، وتنظر لهم بازدراء. هل يجدر بنا القيام بقراءة جديدة لواحد من أشهر العلماء المسلمين، أبو حامد الغزالي الذي تناولته باستفاضة في كتابك وخلصتَ إلى أنّه وجد اليقين والسكينة في التصوف، رغم ما معروف عنه باعتباره ممثل الإسلام الرسمي، بالإضافة إلى هجومه العنيف على الباطنية وعلى الفلسفة والمتفلسفين في كتابه تهافت الفلاسفة.

حسين شاويش: أعتقد أن التصوّف يخضع في هذه الأيام فعلاً إلى عملية إحياء ما، سببها إدراك المسلمين لخطورة خصمه الأول "السلفية" وخاصّة بشكلها الوهّابي-. يمكن في هذا المجال اعتبار المغرب مثالاً، وإن كانت بعض "معاقل التصوّف" القديمة لا تزال تعطينا مثلاً على حيويّته النادرة كمصر والسودان وغيرهما.

بعض عمليات الإحياء هذه ليست بريئة على الإطلاق، إذ نرى فيها يد المؤسّسة السياسة واضحة جلية وهو أمر سيسيئ إلى التصوّف إن عاجلاً أم آجلاً. لا أعرف إن كانت الطرق الصوفية قد جدّدت ثوبها القديم بما يتناسب مع الوعي الديمقراطي الحداثوي. أشكّ بذلك، رغم اطّلاعي على بعض ما تنشره في الشبكة الالكترونية والذي يشير إلى نوع من التغيير فعلاً.

حسين شاويش: دراستي في التصوّف الإسلامي تحاول إظهار ما سمّيته في سؤالك "الطاقة الموجودة" في التصوّف، على أنها ما علينا استبقاؤه من الدين زاداً للمواطن المتديّن من ناحية ووجهاً إنسانياً يمكن تقديمه للعالم من ناحية أخرى. وعلى أنها ستجعل ذلك المتديّن يبحث عن أسباب التمدّن – بتعبير الأفغاني- في مكانها الحقيقي كالتكنولوجيا والتعليم والعدالة الاجتماعية.. وليس في الدين، وكل ذلك دون أن يتخلّى عن تديّنه.
حسين شاويش: دراستي في التصوّف الإسلامي تحاول إظهار ما سمّيته في سؤالك "الطاقة الموجودة" في التصوّف، على أنها ما علينا استبقاؤه من الدين زاداً للمواطن المتديّن من ناحية ووجهاً إنسانياً يمكن تقديمه للعالم من ناحية أخرى. وعلى أنها ستجعل ذلك المتديّن يبحث عن أسباب التمدّن – بتعبير الأفغاني- في مكانها الحقيقي كالتكنولوجيا والتعليم والعدالة الاجتماعية.. وليس في الدين، وكل ذلك دون أن يتخلّى عن تديّنه.

أما بالنسبة للغزالي فلا شك أن قراءته مفيدة شريطة أن نحتفظ بالنظرة النقدية والتاريخية لما كتب. يمكن للمسلم العادي أن يتعلّم الكثير إذا عرف كيف انتقل "حجة الإسلام" من موقع مثقّف السلطة السلجوقية الأكبر مُشرعاً لسانه الحاد في معاركه الكثيرة ضد الباطنية والفلسفة إلى موقع "المتصوّف العالم العامل" في خانقاه المتواضعه التي توفّي فيها نادماً على أيام شبابه التي قضاها في جدال لفظيّ أبعده عن قلبه وعن ربّه.

وبمناسبة كتابه الجدالي "تهافت الفلاسفة" والذي يمكن التعامل معه بأكثر من طريقة، إحداها موضعته في خريطة الصراع الفكري-السياسي في وقته مثلاً، لكنّ الأهم برأيي هو اعتباره مرحلة في تطوّر تفكير الغزالي نفسه. وهو أمر يبدو في منتهى المنطقية وينسجم مع الدراسة السيكولوجية لحياته.

ونحن إن سرنا في هذا الاتجاه فسنفهم أولاً إحدى الأطروحات الأساسية في كتابي "الإسلام عشقاً" وهي أن الدين هو "شأن القلب" لا العقل. وهو ما توصّل إليه الغزالي بعد أن جرّب العقل الكلامي والفلسفي فهجرهما ليلجأ إلى قلبه. لكنّنا سنفهم ذلك أكثر إذا قارنّا كتابه المذكور بالردّ الشهير عليه والذي كتبه ابن رشد، أقصد "تهافت التهافت".

إن قارئ القرن الواحد والعشرين لهذين الكتابين سيشعر بغربة حقيقية خلال القراءة، وسيسأل نفسه: هل هذان الرجلان (ومعهما ابن سينا الذي يكثر محقّق الكتاب من الاستشهاد به) جادّان فعلاً؟ هل من الممكن لعقل تأمّلي محكوم بمعارف تلك القرون أن يقرّر مسألة الإيمان؟ انطلاقاً من هذا التساؤل فقد كان الغزالي أكثر منطقية مع نفسه عندما رفض الوصول الى الإيمان عبر العقل.

تُصرّ في كتابك على فكرة التصوف كجوهر للدين. ماذا تقصد بذلك بالضبط؟

حسين شاويش: بعد أن تحوّل رجال الدين ودعاته إلى "عناصر شرطة دينية مقنّعة" ونصّبوا أنفسهم قضاة على الناس يتدخّلون في تفاصيل السلوك اليومي ليفرضوا تصوّراتهم على أنّها أوامر الله التي يعاقب مخالفها في الدنيا قبل الآخرة أصبح من الملحّ التركيز على أن "الموضوع الأساسي" للدين هو في الواقع الروح لا الجسد. إن الشأن الروحي هو جوهر الدين. هذه القاعدة وصلت إليها أديان أخرى كثيرة منها بعض تنويعات المسيحية والبوذية. لكنّ المتصوّفة عرفوا ذلك منذ البداية، أي منذ رابعة العدوية.

إنني أدّعي أن التصوّف أحدث ما أسمّيه "القطيعة الروحية" في الإسلام، وهنا أستخدم مصطلح غاستون باشلار المعروف، وإن في حقل آخر مختلف تماماً. المتصوّف تربطه بربّه لا علاقة الخوف بل علاقة الحب. إنّها الروح الفردية عندما تتّصل مع الروح الكونية.. وما هو الدين في الحقيقة إن لم يكن كذلك؟ هذا النوع من التديّن هو أقرب الى الممارسة الفردية من أن يكون جماعياً ومؤسساتيّاً. وهو ما من شأنه الدفع باتجاه "الفردانية"، أي بالضبط ما تحتاج إليه مجتمعاتنا المتشظّية عشائرياً وطائفياً. 

 

هل تعني إعادة الشرعية للتصوف الإسلامي أنّ الإسلام والمسلمين سيجدون أنفسهم في علاقة أخوّة إنسانية مع معتنقي الأديان الأخرى، أو بإعادة التأكيد على أخوّة البشر بغض النظر عن أديانهم؟ بعبارة أخرى هل يعني ذلك أننا لن نكون مضطرين لاتخاذ مواقف دفاعية إزاء الانتقادات التي توجّه إلى الإسلام باعتباره دينا يدعو للجهاد وشن الحروب على المختلفين دينيا؟

حسين شاويش: ليت الأمور كانت بهذه البساطة. صحيح أن المتصوّف الحقيقي يعتقد فعلاً أن الأشكال المختلفة للأديان والعبادات هي مجرّد درجات في القرب من الإله نفسه، وهو بذلك يفترض أن يكون أقرب الى قبول الآخرين مهما كانت أديانهم. يمكن أيضاً الحديث عن "طاقة توحيدية" هائلة تكمن في الاعتقاد بوحدة الوجود، بحيث يصبح الفرق بين الناس شكلياً محضاً. في التفسير المنسوب الى ابن عربي يعتبر أن الجهاد هو جهاد النفس حصراً. وبالمقارنة مع الكثير من الفرق الإسلامية (الخوارج، الوهّابية..) فلا شك أن المتصوّفة أقرب إلى التسامح، لكنّ التاريخ يعطينا للأسف أمثلة مضادة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.