هل تعتقد أن التصوّف المسيحي قد قام بشيء مماثل؟ هل كان له دور في أن يصبح المسيحيون أكثر تسامحا؟ لقد تحدّثت في كتابك عن المتصوف الألماني المعلّم إيكهارت الذي عاش في القرن الرابع عشر، وخلصت إلى أنه قام بشيء مماثل لما قام به المتصوفون الإسلاميون.

حسين شاويش: نعم، اعتقدَ المعلّم إيكهارت أن أصل النفس هو من نفس الجوهر الإلهي وهو امتداد له وليس خلقاً جديداً. لكنّ القرنين الثالث والرابع عشر لم يكونا يسمحان بأي خروج عن "العقيدة القويمة" ولذلك حوكم الرجل أمام محاكم التفتيش ومات قبل صدور الحكم. هذا رغم أن المسيحية تحتوي الكثير من العناصر التي تمهد الأرض للتصوف. لكنّ الناس لا يمكن أن تقفز عن عصرها وشروطه المادية.

كتاب «هكذا تكلم ابن عربي» لنصر حامد أبو زيد (1943 – 2010).
يمثل ابن عربي همزة الوصل بين التراث العالمي والتراث الإسلامي، ومن ثم يمكن النظر إلى تراث ابن عربي بوصفه تواصلاً حياً خلاقاً مع التراث العالمي الذي كان معروفاً ومتداولاً في عصره، سواء كان تراثاً مسيحياً أم يهودياً أو كان تراثاً فلسفياً فكرياً.

  هل هناك تصوف حديث؟ بمعنى هل للتبدلات الكبيرة التي طرأت على العالم في القرون القليلة الماضية دور في إعادة قراءة مقولات التصوف القديمة؟

حسين شاويش: رغم الطاقة التجديدية الكبيرة الموجودة في أصل فكرة التصوف، أي اعتماد التأويل والاجتهاد الفردي ونقل موضوع الدين من التشريع إلى الممارسة الروحية فإن ذلك كلّه لم يجد بعد طريقه في العالمين العربي والإسلامي إلى التجسّد في تيّار جديد يتلاءم مع الحداثة.

لكنّني في الكتاب أذكر بعض المجموعات الصغيرة في الغرب الحديث التي إمّا أنها صوفية محضة أو أنها خلطت التصوّف ببعض الروحانيات الشرقية والأوربية التي انتشرت في الثمانينات والتسعينات، أي ما يُسمّى إيزوتيريك.  

هل يمكن للتصوف الإسلامي أن يؤدي دورا مساعدا، من ضمن حلول أخرى، في حل المشاكل الطائفية، وكيف يمكن إقناع السنة والشيعة بالاعتراف بالتصوف؟ هل هناك مثلا متصوّفون في التراث الإسلامي يحظون بالتقدير لدى السنة والشيعة معا؟

حسين شاويش: بالنسبة لبعض مشايخ الوهابية فإن الكثير من الفرق الصوفية "كالبرهانية/الدسوقية" هي حصان طروادة الشيعي في الصف السنّي. وينطبق ذلك أكثر على البكداشية التي يشترك فيها السنّة والعلويون (كتيّار وليس كفرقة منظّمة). لكنّ طغيان السلفية الوهابية المدعوم بالبترودولار والذي كاد يدخل تحت سيطرته الجيل الثاني من الشارع الإسلامي خلق اتجاهاً عاماً جديداً جعل الجميع يركّز على هويته الطائفية ويحرص على عبارة "أهل السنّة والجماعة" وهي كما نعلم عبارة مُجزية قد تأتي على صاحبها بالملايين.

في الجانب الشيعي تُعتبر فلسفة التصوّف (العرفان) جزءاً طبيعياً مما يدرسه من يريد أن يصبح عالماً، فيما أعلم. أذكر أنني في أيام شبابي سألت أحد المشايخ فيما إذا كان ابن عربي إسماعيلياً، وذلك عندما لاحظت التشابه بين بعض كلامه وبعض كلام "إخوان الصفا".. يُجمع أكثر المتصوّفة على قداسة وقدم ما يسمّونه "الحقيقة المحمدية" وبعضهم يضيف عليّاً وأبناءه الى قائمة مقدّسيهم ولذلك نفهم هذا التقارب مع الشيعة. لكن ليست هناك فرق صوفية مشتركة الطائفة في هذه الأيام فيما أعلم.

قرأتُ في كتابك بأسف شديد عن ابن عربي وتضييقه، عندما كان قاضيا، على "أهل الكتاب". لكن كيف كانت العلاقة بصورة عامة بين المتصوفين المسلمين ومعتنقي الأديان الأخرى؟

حسين شاويش: نعم لقد حدث هذا. أعتقد أن ابن عربي كان لايزال يعاني من صدمة اجتياح الإسبان لبلده "مرسية" الأندلسية. وقد تلاقى هذا الدافع الانتقامي مع دافع سياسي لدى سلاجقة تركيا في ذلك الزمان والذين كانوا يواجهون "جيرانهم" البيزنطيين الذين كانوا يستغلّون رباط العقيدة الواحدة مع السكّان المحليّين..الخ. سلوك "الشيخ الأكبر" هذا هو استمرار للانتقائية التي بدأها الغزالي. أي خلط الشريعة التقليدية بالعرفان الصوفي.

قيل إن تجربة المهاتما غاندي في بعض وجوهها كانت رفضا للحداثة. فغاندي رفض استخدام المنتجات الصناعية الحديثة، وكان يغزل ملابسه بنفسه، هل يمكن أن يكون التصوف الإسلامي رفضا لقيم الحداثة، أم أنه ربّما بالاستعارة من السوسيولوجي الالماني أولريش بك، سيكون حداثة انعكاسية، أي الحداثة التي تتأمل نفسها وتعيد صياغة أولوياتها وأهدافها؟

حسين شاويش: هكذا كان في زمن يحيى حقّي مثلاً عندما كتب "قنديل أم هاشم" في ستّينات القرن الماضي. لكنّ الهجمة التي تعرّض لها التصوّف (منعه رسمياً في تركيا الأتاتوركية والجزيرة العربية الوهابية) ستجعل عودته، إن عاد، إلى الشارع العربي عودة متصالحة مع الحداثة على الأغلب. مفهوم الحداثة الانعكاسية قد يساهم هنا فعلاً ببعض الإضاءة لتلك الإمكانية.

عندما أتذكّر تعبير "الصحوة الإسلامية" الذي لا يزال شائعاً في الصحافة العربية تخطر في بالي أسطورة أهل الكهف عندما استيقظوا فأرسلوا أحدهم يشتري بالنقود التي كانت معهم طعاماً. لكنّ الناس اكتشفت أن عمر تلك النقود مائة عام على الأقل. فلنأمل أن المسلمين سيكتشفون أن "عملتهم الفكرية" التي يريدون أن يتاجروا بها في العالم عمرها أربعة عشر قرناً وقد آن الأوان لاستبدالها.

لكنّ أولريش بك يظل هنا أيضاً مفيداً، فقد تعلّمنا منه أن البنى الحديثة تتطوّر إلى جانب تلك القديمة. وهذا ما نراه في بلادنا أيضاً. أخيراً فأنا موافق على أن الحداثة تعيد الآن البحث "في دفاترها العتيقة" –وهو ما سمّي منذ زمن طويل "ما بعد الحداثة"- ولنأمل أنها ستجد في بعض أفكار التصوّف نقوداً لا تبلى، لأنها مصكوكة من الذهب مثلاً.

هل من خطوات عملية لإعادة الاهتمام بتراث التصوف والتعريف به؟

حسين شاويش: الحلم اليساري القديم (أي حلمي أنا أيضاً، ذات يوم) بأن الناس ستنصرف إلى تطبيق يوتوبيا العدالة والحرية التين طالما حلمت بهما الآن وهنا على الأرض وستتوقّف عن الحلم بالعدالة السماوية، أي بالآلهة والأديان، أقول هذا الحلم تبدّد تماماً كما نرى من الأحداث.

ويبدو من الواقعي أكثر أن نقول بأن هناك شيء اسمه "اللحظة الروحية" كإحدى لحظات/حاجات النفس البشرية. الملحد يلبّي هذه الحاجة في الاستغراق في الموسيقى أو الفن أو بممارسة التأمّل مثلاً.

الممارسات الروحية تتطوّر بتطوّر البشرية ولدى بعض الشعوب خبرة طويلة في هذا المجال. خذ مثلاً التأمّل. فهناك تأمّل ذاتي عميق يستدعي دائماً الجلوس والصمت، لكنّ هناك تأملاً قد يستغرق النهار كلّه ويرافق كل نشاطات الحياة بما فيها الأكثر بعداً عن الدين بالمعنى المعروف وهو يصبح أقرب إلى مفهم "الوعي"، أي الحضور الواعي للذات في كل ما تفعل. لكنّ ثمة من يفضّل الشكل الديني لتلبية تلك الحاجة. وأنا في كتابي هذا أقترح على هذا النوع من البشر أن يختاروا الشكل الصوفي للدين لأنّه ركّز على تلك اللحظة الروحية وعلى الإشراق العرفاني/القلبي..الخ. لهذا السبب الواقعي أجد أن مهمّة التعريف بالتصوّف تستحق التعب. ويبدو أن هناك من يشاطرني هذا الرأي. بل إن هناك من سبقنا جميعاً إلى ذلك وهو نصر حامد أبو زيد الذي كتب "هكذا تكلم ابن عربي" كما هو معروف.

أما عن الخطوات العملية، فلا أدري شيئاً. فيما يخصّني كنت إلى وقت قريب مشغولاً بالمسألة الطائفية، والكتاب الآن تحت تصرّف دار الفارابي وقد ينشر قريباً.

 

أجرى الحوار أحمد القاسمي في برلين

حقوق النشر: موقع قنطرة 2017

حسين شاويش ولد لعائلة فلسطينية مقيمة في سوريا عام 1953. تخرّج من كلية الطب البشري في جامعة حلب عام 1981، ثمّ درس علم النفس في ألمانيا، التي يقيم فيها حاليا. فاز كتابه "سفر بين العوالم" عام 2017 بجائزة ابن بطوطة لليوميات. اشترك في تأليف كتاب "الحبّ والاستلابّ مع المؤلّف محمد شاويش عام 1995.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.