استعمار المستوطنين حركة قام بها أوروبيون تركوا أوروبا لأسباب مقنعة. وبغض النظر عن كونهم مسيحيين أو يهوداً، فقد اضطروا للمغادرة لأنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان. لذلك، لم يكن هؤلاء يبحثون عن محل إقامة جديد، بل عن وطن جديد أيضاً. وبسبب الحركات التي سبقت الحركة الصهيونية، فقد كان السكان الأصليون في الأوطان الجديدة هم من عانوا. بالنسبة للاستعمار الاستيطاني في أمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا، قام الأوروبيون بالقضاء على السكان الأصليين وارتكبوا جرائم إبادة جماعية بحقهم. أما في جنوب أفريقيا، فقد أقيم نظام الأبارتهايد ووقعت حالات تطهير عرقي. هذه الوسائل كانت قريبة من تلك التي استخدمها الصهاينة الذين استوطنوا فلسطين. لذلك، فإن وصف الصهيونية بالحركة الاستعمارية الاستيطانية له أساس علمي. فالكثير من الدول حول العالم نشأت من نشاط استعماري استيطاني، ولكن إسرائيل الدولة الوحيدة التي تنكر ذلك.

بفضل العدد الكبير من الدراسات التي أجريت في السنوات العشر الماضية، بات الأبارتهايد في إسرائيل واضحاً للعيان. بالطبع هناك فروق بين إسرائيل وجنوب أفريقيا، ولكن هناك قواسم مشتركة كثيرة أيضاً. يمكن النظر إلى ذلك كأحد الأوجه المتعددة للأبارتهايد. الأبارتهايد ليس النموذج الوحيد، ولكن ما يجمع النماذج كلها هو رفض المساواة.

Siedlungsbau Kirjat Arba bei Hebron; Foto: picture-alliance/landov/D. Hill
بناء مستمر: تخلت إسرائيل عن تحفظها النسبي بخصوص توسيع المستوطنات في الأراضي المحتلة. بحسب ما ذكرت منظمة "سلام الآن" الحقوقية، فقد وافقت وزارة الدفاع الإسرائيلية في يناير/ كانون الثاني 2016 على بناء 150 وحدة استيطانية في أربع مناطق بالضفة الغربية. وبذلك أنهت إسرائيل فترة وقف غير رسمية للبناء دامت 18 شهراً.

في السنوات الماضية شهدنا الثورات العربية في العالم الإسلامي. ما هو موقف إسرائيل من تلك التغيرات؟

بابيه: أعتقد أن إسرائيل كان في البداية قلقة للغاية من التطورات في العالم العربي، خاصة عندما أدركت أن تلك التغيرات قد تكون ديمقراطية، ذلك أن عالماً عربياً ديمقراطياً هو أسوأ سيناريو يمكن أن تتصوره إسرائيل، لأن ذلك سيعني أن الشعوب ستطالب حكوماتها بلعب دور أكثر فاعلية في فلسطين. إضافة إلى ذلك، ستخسر إسرائيل مكانتها الخاصة في الشرق الأوسط، والتي استفادت منها بشكل كبير حتى يومنا هذا.

لكن حالياً بدأ الانطباع يتولد بأن الأنظمة القمعية عائدة وقد تكون أكثر قمعية مما سبق. الأمثلة على ذلك هي مصر وسوريا. هذا يفيد الحكومة الإسرائيلية، التي تستفيد أيضاً من ظهور ما يسمى بـ"الدولة الإسلامية"، لأنها تناسب الرواية الإسرائيلية. "الدولة الإسلامية" تصرف الأنظار عن فلسطين، وتقوم أيضاً بخلق صورة عن الإسلام لطالما تمنتها إسرائيل. كما أن إسرائيل، بذلك، يمكنها تسويق نفسها كـ"آخر حصن" للغرب في الشرق الأوسط.

في هذا السياق تعتبر التطورات فيما يتعلق بإيران مهمة. فبعد الاتفاق النووي ورفع العقوبات الاقتصادية، يبدو أن الأوروبيين والأمريكيين راضون عن علاقتهم الجديدة مع إيران. هل ينطبق ذلك على إسرائيل أيضاً؟ لاسيما وأن نتنياهو قد وصف إيران مراراً بأنها تهديد أكبر للمنطقة من "داعش".

بابيه: في هذا السياق من المهم التفريق بين الحكومة الإسرائيلية والمواطن العادي. أغلب الإسرائيليين ينامون مطمئنين ولا يخافون من إيران، لأن حملة الترهيب التي قامت بها الحكومة لم تكن ناجحة في هذا الصدد. السبب في ذلك هو أن تأكيد رئيس جهاز الموساد (المخابرات الإسرائيلية) وعدد من القيادات الأمنية بأن إيران لا تشكل خطراً. وبهذا لم تتفق النخبة العسكرية مع السياسية هذه المرة.

إن حكومة نتنياهو ليست سعيدة بالاتفاق النووي، ذلك أن إيران شكلت في الوقت الذي سبق هذا الاتفاق فزاعة مفيدة ألهت الأنظار عن الأوضاع في فلسطين. أما بقية المجتمع الإسرائيلي فيبدو سعيداً بهذا الاتفاق.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.