لماذا يحتاج الإسلام إلى قيادة؟ ألا يقودنا ذلك إلى نوع من مركزية السلطة الدينية على غرار البابوية الكاثوليكية؟

فهمي جدعان: هذا فعلاً سؤال جوهري. الحقيقة هي أنني لم أقصد إلى اختراع سلطة كهنوتية، يقوم عليها مجمع من الكرادلة، مثلما هي عليه الحال في الكاثوليكية، على الرغم من أنني لا أقلل من شأن مثل هذا النظام. أنا أريد وضع حد لهذه الفوضى المزرية المسيئة في "الإفتاء"، وأنا أتطلع إلى" مؤسسة دينية" ذات مصداقية، جديرة بالثقة والاحترام، كفء في ضبط العقائد والاجتهادات الدينية، وفي صون الدين من أهواء الدعاة والوعاظ والمفتين ومنظري الحركات الدينية-السياسية، الذين يذهبون بالناس كل مذهب ويغرقون الدين بفتاواهم المنكرة.

ألا تلاحظين أن "الحرية" التي نريد لها أن تقترن بدين الإسلام وبالاجتهاد، قد أفضت، بسبب الانفلات في الإفتاء الفردي إلى "فضائح" مرعبة؟ ما معنى أن يدّعي أحدهم أن "بول النبي " وكل ما يخرج من بدنه طاهر؟ وما معنى الدفاع عن "رضاعة الكبير"؟ أو "نكاح الجهاد"؟ أو "نكاح الوداع"؟ وكذلك ما أتحفتنا به "اجتهادات" منظّري الجماعات الجهادية.

والأمثلة لا عدّ لها ولا حصر. لأن الباب مشرع، وكل من تخرّج من كليات الشريعة أو الدراسات الدينية بات يدّعي الاجتهاد والإفتاء ويعطي لنفسه الحق في التصرف في حياة المسلمين الروحية والعملية، ولا أحد يستطيع لجمه أو ردعه. أليست هذه طرقاً سالكة لتشويه الإسلام وتحقيره، مثلما هو حادث في هذه السنوات الأخيرة؟

أنا اريد ان أميز بين فِعل الإفتاء وبين حرية الرأي. هذه الأخيرة ينبغي ان تكون مصونة مهما صدر عنها من حماقات وسفاهات، أما الاجتهاد والإفتاء في الأمور الدينية فإنه ينبغي ان يكون منوطاً بمؤسسة جماعية، بمرجعية، ب "مَجْمع عقيدي" يقول كلمته ويكون له هو وحده الحق في "الإفتاء".

أما إرسال ذلك منفلتاً لأهواء الدعاة والعلماء الافراد فذلك ما أنكره وأرفضه.  الحريات الأساسية عندي مقدسة، ومنها حرية الرأي والاعتقاد والاجتهاد، لكن حرية الإفتاء للأفراد، من دعاة ومنظرين إيديولوجيين وأساتذة معاهد دينية ومدّعين للعلوم الدينية، فغير مقبولة قطعاً، لأنها تفضي الى اختلافات غير رحيمة، وإلى تصورات ورؤى ومواقف كارثية.

تقترح بعض الحلول لتغيير الصورة النمطية عن المسلمين في الغرب، لكن قد يجادل بعضهم بأنك تغفل بعض الشيء دور الغرب في التقارب الغربي الإسلامي، فهل ترى أن على العرب أن يلعبوا الدور الرئيسي الأكبر في الحوار الغربي الإسلامي؟ ولماذا؟

فهمي جدعان: أنا خبرت هذا المشكل عن كثب حين نيطت بي قبل سنوات، لفترة قصيرة من الزمن، مهمة إدارية في أحد معاهد البحث التي تُعنَى بالعلاقات بين الأديان. كانت المبادرات المسيحية أوسع وأكثر إقبالاً واهتماماً مما كانت عليه المبادرات الإسلامية. بالطبع، تشهد بعض الأقطار العربية - وبخاصة لبنان - وضعاً مختلفاً وتفاعلاً ثرياً في التواصل والحوار. والأمر طبيعي ومفهوم في هذه الحالة.

لكن ذلك فقير في الأقطار العربية الأخرى، وفي العالم الخارجي أيضاً. وتقضي التطورات الكونية اليوم، وبخاصة ما يتعلق منها بعلاقات الإسلام والغرب، المتوترة سياسياً وثقافياً، أن تشتد وتتعزز وتتعمق المبادرات الإسلامية في الفضاءات الغربية لتعديل الصورة السالبة التي أحدثتها الحركات والجماعات الدينية-السياسية المتصلبة في صورة الإسلام في المخيال الجمعي والفردي الغربي. هذا مطلب ضروري وعاجل، العرب والمسلمون هم المكلفون به، عقلاً وشرعاً.

قد يتبادر إلى الذهن أن أي حديث عن إصلاح أو تحرير الدين الإسلامي يستهدف "الإسلام السنّي" فقط في حين لا تُخاطَب المذاهب الإسلامية الأخرى، وخاصة "الإسلام الشيعي"؟

فهمي جدعان: هذه الملاحظة صحيحة ودقيقة في حدود العالم العربي المسكون في الأغلب من مواطنه، بالمعطى "السنّي". وفيما يتعلق بي شخصياً، أنا أضع نفسي مفكراً عربياً أولاً وآخراً، ولست أعْتَدُّ أبداً بأية نسبة أخرى، مثلما أنني لا أنسب نفسي لا إلى التسنن ولا إلى التشيّع. وفي أعمالي الفكرية والعلمية كان شاغلي الأكبر، وما يزال الفكر العربي والفعل العربي، ولم تدخل قضايا الإسلام والفكر الإسلامي فيها إلا من جهة تخصصي الأكاديمي المبكر المرتبط بالأطروحتين اللتين قدمتهما لجامعة (السوربون) للحصول على دكتوراه الدولة في الآداب: الرئيسة في الفلسفة الإسلامية، والفرعية في علم الكلام. وهذه القضايا تشخص في أعمالي بما هي "بعض" المكوّنات الأساسية للفكر العربي والمصير العربي.

ثم إن الذي يتابع أعمالي جيداً يدرك أنني أنعى على المسلمين جميعاً هذا الانشطار المذهبي الذي أحدثته الصراعات السياسية المبكرة، التي استمرت عميقة التأثير السلبي في حياتنا حتى اليوم، وغداً أيضاً. وأنا بصراحة كاملة أبغض الجدليات السنية -الشيعية التي أججتها في السنوات الأخيرة مماحكات بعض الدعاة المذهبيين من الطرفين، وعمقتها المسألة العراقية التي اخترعها التدخل الأميركي في العراق. وما أحلم به هو أن يتشكل في الفضاءات العربية والإسلامية توافق مذهبي يضع حدّاً لهذا الانشطار التاريخي البائس.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.