"الاسلام السياسي" بدعة ايديولوجية  

ترى بأن مفهوم "الاسلام السياسي" بدعة ايديولوجية وهو مفهوم اصطنعه الغرب لنا؟ بينما يرى الدكتور رضوان السيد بأن الإسلام السياسي، اسلام موجود ويتمحور في الحركات الاسلامية التي تفرق نفسها عن الاسلام الجهادي ولاتنتهج نهجه، لماذا ترفض تعريف الاسلام السياسي؟

فهمي جدعان: أنا لا أنكر ان في جملة المنظومة الدينية الاسلامية وجوهاً ذات علاقة بما هو سياسي، لأن كل ما هو مجتمعيّ -والاسلام دين مجتمعي-هو ذو متعلقات سياسية. ان الذي أنكره هو تحويل الاسلام الى إيديولوجيا تغرق الدين في السياسيّ وتحوّل الرسالة السماوية الى سلطة دنيائية هيمنية والى مكيافيلية سياسية غير اخلاقية، وتتمثل الفِعل الاسلامي في تشكيل حزبي سياسي قمعي إقصائي متزمت. نعم، هذا بدعة.

ما يتكلم عليه رضوان السيد هو، على وجه التدقيق، " المؤسسة الدينية" وتوابعها والجمعيات الدينية والخيرية والاجتماعية. التي تطلب خير المؤمنين وتنشد رعايتهم في حياتهم الروحية والتعبدية والمعاملاتية. هذا مذهب سديد، وهو شيء مختلف تماماً عن " الاسلام السياسي"، وهو لا يتطلب "دولة دينية" او "دينية-سياسية" على رأسها خليفة، وموجَّهة لمصارعة العالم وقيادته. يجب ان يستقر في عقولنا ان هوية دين الاسلام الحقيقية تكمن في " مقاصده"، وأن تحقيق هذه المقاصد هو من وظيفة " الدولة الإنسانية العادلة".
 
 

 الصحافية السورية علياء تركي الربيعو حازت على جائزة الأمم المتحدة لحوار الحضارات لأهم التقارير الثقافية عام 2010.
الصحافية السورية علياء تركي الربيعو حازت على جائزة الأمم المتحدة لحوار الحضارات لأهم التقارير الثقافية عام 2010.

بعد السجال الطويل الذي زاد عن قرن في الفكر العربي والاسلامي، ما هو الحل بين طروحات الدولة الدينية والدولة المدنية، واين نضع الدين، وهل لدينا اطروحة بديلة عن اطروحة الحداثة الغربية في الدولة والسياسة؟

فهمي جدعان: أُحَوْصِل رأيي في هذه المسألة على النحو التالي: دين الإسلام رسالة بنائية اخلاقية اجتماعية انسانية، تؤسس لقيم سامية ضامنة لخير الإنسان وسعادته "هنا..وهناك ".  قيمها "الدينية" تكمن في غائيات الدين ومقاصده النهائية، وهي موافقة للقيم العليا "الإنسانية"، التي يحددها العقل الإنساني المشترك البرهاني الصريح، خارج حدود الأهواء وظروف المكان والزمان النوعية. والدولة المقودة بمبادئ وبقيم العدالة والكرامة الإنسانية والحقوق الطبيعية والحريات الأساسية والنزاهة والخير العام، ضامنٌ لإنفاذ (بالفاء) القيم والمقاصد التي يطلبها الدين.

في كتابك" خارج السرب" أخذ عليك التركيز فقط على النسويات المسلمات في الغرب  ليمثلن "النسوية الإسلامية التأويلية" من دون ذكر جهود كثيرة قامت بها نسويات عربيات في هذاالمجال، ماعدا ذكرك لفاطمة المرنيسي. ما يثير الاهتمام أنه في كتابك تحرير الاسلام ذكرت مجددا المرنيسي وغفلت مجددا عن ذكر نسويات اخرى في الوطن العربي؟ ألا ترى بأن هناك جهد نسوي عربي في تقديم قراءة نسوية نأويلية للقرآن واجب ذكره والحديث عنه؟

 
فهمي جدعان: في كتابي "خارج السرب" انا لم اقصد الى التأريخ للحركة النسوية العربية؛ انا ذهبت الى “الاسلام المعولم" وما نبت فيه من نزعة نسوية احتجاجية على الاسلام وثقافته، استقت حججها وتسويغاتها من الافهام المتداولة في الفضاءات الاسلامية التقليدية، ومن القراءة الحرفية للنصوص الدينية، وهي القراءة التي سوّغت وعززت ما ذهبت اليه "النسويات الرافضات". وكان القصد ايضاً هو نقد هذه القراءة وفتح الباب لقراءات تأويلية جديرة بالزمن الراهن.

وتعزيزاً لهذه الغاية أفردت فصلاً ل"النسوية الاسلامية" الجديرة، في فضاءات الاسلام المعولم نفسه، بتقديم رؤية تقدمية، حداثية، لنزعة اسلامية نسوية مثلتها نسويات التأويل: أمينة ودود وأسماء برلاس ورفعت حسن على وجه الخصوص، وسقت فاطمة المرنيسي، مثلاً عربياً عارضاً.

لكن المنطق الذي يحكم اطروحة الكتاب لم يكن يتطلب الخوض في النسوية العربية، التي لا اشك في انها تستحق دراسة علمية خاصة. ويؤسفني انني لم انجح خلال السنوات الماضية في العثور على أحد من طلبتي في الدراسات العليا بالجامعة جديرٍ بمعالجة الموضوع في رسالة جامعية. أما أنا فلم تعد المسألة بالنسبة لي موضوع كشف خاص يغريني بالذهاب إليه.  

 
في نفس السياق وعودة الى كتابك المحنة، والذي قدمت من خلاله رؤية جديدة لفترة المحنة عبر اقصاء العامل الديني الى الخطوط الجانبية والنظر اليه بوصفه عامل غير مؤثر في حركية وفاعلية المحنة، برأيك ما الذي دعا بعض المؤرخين الغربيين في مدرسة الاسلام المبكر امثال مايكل كوك الذي وسم رؤيتك للمحنة في كتابه الامر بالمعروف و النهي عن المنكر بانها رؤية علمانية للحدث، و كذلك تلميذه نمرود هوريتز الى الآخذ بروايات الحنابلة و القول بأن سياسات الخلافة كانت خارج تطلعات الحنابلة وأن النزاع لم يكن بين الخليفة وبعض العلماء، بل كان على دور الدين في حماية المجال العام من السلطة السياسية؟

فهمي جدعان: أعتقد ان مايكل كوك لم يقرأ الكتاب جيداً، وأنه، كأضرابه جميعاً، مسكون بالقراءات الذرية وبإسقاط الأحكام التبسيطية الموجّهة المغرضة، "من الخارج"، ولا أشك في انه، في نسبته للكتاب الى رؤية علمانية، كان يَهْذِي! أما تلميذه سالف الذكر، فإنني أنصحه بارتداء "عِمامة حنبلية"!

 

أجرت الحوار  علياء تركي الربيعو

حقوق النشر: العربي الجديد 2017

موقع قنطرة ينشر المقال بالإتفاق مع الكاتبة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.