حوار مع مؤلف كتاب ـ"القاهرة في منتصف الليل"ـ
سيدات الغناء والاستعراض في عشرينيات مصر الصاخبة

من تواضع البدايات إلى مجد النجومية: مازالت أم كلثوم متربعة على عرش الغناء العربي حتى بعد نحو مئة عام على إصدار أول تسجيل لها، لكن ماذا عن مصريات أخريات من شهيرات عقد العشرينيات؟ في كتابه يقتفي المؤرخ رافائيل كورماك خطى نساء مؤسسات لتاريخ الغناء والفنون الاستعراضية في مصر. حاورته آنا-تيريزا باخمان لموقع قنطرة.

قنطرة: غناءٌ، ورقصٌ، وشَراب: في العشرينات من القرن الماضي، كان حَيّ الأزبكيَّة – في وسط البلد في القاهرة – مَركزًا لصناعة التَّرفيه وحياة الملاهي في مصر، بل إنّك تذكُر في مقدمة كتابكم "القاهرة في مُنتصف الليل – سيّدات الغِناء والاِستعراض في عَقد العشرينيات الصاخِب في مصر"، بأنّ حياة الليل في القاهرة وهي في أوج ازدهارها "كانت تُضاهي نظيراتها في لندن أو باريس أو برلين". فما الذي جعل القاهرة، والأزبكيَّة بالتحديد، مكانًا بتلك الأهميَّة في العشرينيات؟

 رافائيل كورماك: قامت الدولة المصريَّة بتخطيط مركز حَيّ الأزبكيَّة وكذلك حديقة الأزبكيَّة أثناء النصف الأول من القرن التاسع عشر، حين كانت مصر تحت حُكم محمد علي باشا. وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، قام حفيد محمد علي باشا – الخِديوي إسماعيل المعروف بـ "المُؤسِّس الثاني لمصر الحديثة" – بتحويل الأزبكيَّة إلى منطقة للتَّرفيه والحياة الليليَّة المُواتية لحَداثة ذلك الزمن. وافتُتِحت لأوَّل مرَّة في تاريخ مصر "دار الأوپرا الخِديويَّة" عام 1869، بالإضافة إلى مسارح أُخرى وساحةٍ للسِّيرك. وفي خلال تلك الفترة، بدَأَت الفنادق والمسارح وصالات الرَّقص بالاِنتشار في كل مكان.

مع بُزُوغ عَقد العشرينيات، كانت القاهرة مدينةً مزدهِرة، تَعِجُّ بالاِستثمارات الجديدة، وبالإنماءات الحديثة، لتُصبِحَ واحدةً من أكثر المُدُن كوزمُوپُوليتانِيَّة (دُوَليَّة) في العالم، بل يمكنك حتى أن تُسَمِّيها بـ "دُبَي العشرينيات". كانت القاهرة حينها واحدةً من أهم مُدُن العالم، إلّا أنّ مُدُنًا هامَّة كالقاهرة غالبا ما يتم تجاهُلها في سَرديَّات تاريخ العشرينيات. وكتابي هذا هو محاولة لتصحيح هذا الخطأ.

قنطرة: ما هي آثار أو بقايا تلك المرحلة الزمنيَّة التي من الممكن أن يكتشفها زائِرو مصر وساكنوها، على حد سواء، حين يمشون في أزقَّة الأزبكيَّة؟

رافائيل كورماك: نعرف كُلُّنا حادثَ الحريق الشهير لدار الأوپرا الخِديويَّة عام 1971، والتي تم استبدالها بموقفٍ كبير للسَّيارات حالياً. لكن حين تتنزَّهُ في أنحاء الأزبكيَّة اليوم، ستجدُ الكثيرَ من الآثار والهياكل الخارجيَّة لبناياتٍ كانت قائمةً في السابق. فالباب الأصليّ لأحد مسارح دار الأوپرا القديمة، على سبيل المثال، يُستَخدَمُ الآن كبوَّابةٍ لمَدخَل أحد مكاتب البريد في الحَيّ. وكازينو "الهامبرا" القديم، الذي كانت تملكه المُطربَة نعيمة المصريَّة، أصبح متجرًا لبيع قطع غيار السَّيارات حالياً. والمبنى القديم للمسرح المصري في "شارع عبدالعزيز" في وسط القاهرة أصبح دارًا للسينما في الوقت الراهن، فيما أصبح هيكل المسرح مخزنًا لبضائع العديد من المَحال التجاريَّة المجاورة.

 

بطاقة بريديَّة يظهر فيها مبنى كازينو وصالة موسيقى الـ "كورسال"، والذي كان مُقامًا على "شارع الألفي بِك" في حي الأزبكيَّة في القاهرة (الصورة: رافائيل كورماك) (photo: courtesy of Raphael Cormack)
القاهرة ... دُبَي عشرينيات القرن العشرين: في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، قام حفيد محمد علي باشا – الخِديوي إسماعيل المعروف بـ "المؤسِّس الثاني لمصر الحديثة" – بتحويل الأزبكيَّة إلى منطقة للتَّرفيه والحياة الليليَّة المُواتية لحداثة ذلك الزمن. وافتُتِحت لأوَّل مرَّة في تاريخ مصر "دار الأوپرا الخِديويَّة" عام 1869، بالإضافة إلى مسارح أُخرى وساحةٍ للسِيرك. مع بُزُوغ عَقد العشرينيات، كانت القاهرة مدينةً مزدهِرة، تَعِجُّ بالاِستثمارات الجديدة، وبالإنماءات الحديثة، لتُصبِحَ واحدةً من أكثر الأماكن كوزمُوپُوليتانِيَّة (دُوَليَّة) في العالم.

 

حين تمشي في "شارع عماد الدين" – الذي كان المركز الرئيسي للفنون الاستعراضيَّة في العشرينيات – ستجدُ الكثيرَ من المسارح وصالات السينما القديمة التي تعودُ إلى مراحل زمنيَّة مختلِفة. واحدٌ من المسارح هو "مسرح نجيب الريحاني"، المعروف سابقًا بـ "مسرح رَمسيس"، حيث كان يقفُ على خشبته الممثل يوسف وهبي وفرقته المسرحيَّة في العشرينيات والثلاثينيات، إلّا أنّ العديد من هذه المسارح في حالةٍ يُرثَى لها الآن. لكن في عام 2018، قامت سينما "زاوية" – وهي واحدة من أفضل دُور الفُنُون المُعاصِرة في القاهرة، بِنَقل مركزها إلى إحدى صالات السينما القديمة في "شارع عماد الدين". 

قنطرة: يُخبِرُنا كتاب "القاهرة في مُنتصف الليل" عن تاريخ حَيّ الأزبكيَّة من خلال سيرة سبع فنَّانات. إحداهنَّ، المغنية والممثلة منيرة المهديَّة. حين نقارنها بالفنَّانات الأُخرَيات في الكتاب، نجدُ أنّ قصة حياتها تملَأُ عددًا لا بأس به من الصفحات. ما هو الشيء الذي جَذَبَ اهتمامَك بشأن "ملكة الطَّرَب"، كما أسمَتها الصحافة حينذاك؟

رافائيل كورماك: أنا مَعنِيٌّ بالطريقة التي بَنَت بها المهديَّة شخصيَّتَها العَلنيَّة كفنانةٍ ذائعة الصيت. كانت تحرصُ دائمًا على أن يظهر اسمُها في العناوين الرئيسيَّة في الصُّحُف، عبر إدلائها بآراء خارج سِرب الذوق العام لتلك الأيام، وإقامتها لحفلاتٍ صاخبة أُسطوريَّة في عوَّامَتها على ضفَّة نهر النيل.

إحدى هذه القصص التي لا أذكرُها في الكتاب، إلّا أنّها تُلَخِّص الصورة العامَّة لمنيرة المهديَّة، دارت أحداثها إبّانَ الاِحتفالات بذِكرى تتويج الملك فؤاد الأول عام 1925. حينها، أُقيمَت حفلةٌ كبيرةٌ في مدينة المنصورة، أتاها الكثير من المُغَنِّيين المشهورين لإقامة حفلاتِهم على مسارحها، بما فيهم أُم كلثوم ومنيرة المهديَّة. فيما بعد، نَشَرَت صحيفةُ "الأهرام" مقالًا بعنوان "انتصار أُم كلثوم"، مؤكدًا بأنّها كانت المغنية الأفضل في احتفالات المنصورة.

بعدها بفترةٍ قصيرة، راسَلَ أحدُهُم صحيفة "الأهرام" رَدًّا على مقالتها، قائلًا: "لقد فوجِئتُ بقراءة ذلك العنوان الكاذب"، مُعقِّبًا بأنّ منيرة المهديَّة كانت هي الفائزة الأولى دون مُنازع. ذلك لأنّ بقية الفنّانين قد توقَّفُوا عن الغناء في مُنتصف الليل، فيما بقي مسرح منيرة المهديَّة مُكتظًّا بالجمهور حتى الساعة الثانية صباحًا. ولتفادي المزيد من القلقلة في الشارع، انتَقَلَت المهديَّة بحفلها إلى المسرح الرئيسيّ في المنصورة، واستمرَّت هناك في الغناء حتى الساعة الرابعة صباحًا. 

قنطرة: بالإضافة إلى جُرأتِها، ما الذي يجعلُ منيرة المهديَّة ظاهِرةً جديرةً بالاِهتمام من الناحية الفنيَّة؟

 

المغنية والمُمثلة المصريَّة منيرة المهديَّة (1885-1965)، في صورةٍ التُقِطَت لها في العشرينيات (الصورة: من أرشيف "أبوشادي"). (photo: courtesy of the Abushady Archive)
"ملكةُ الطَّرَب": كانت منيرة المهديَّة علامةً بارزةً في تلك الفترة كمغنية وممثلة وفنّانة استِعراضيَّة. بَدَأَت مسيرتَها الفنيَّة قُبَيلَ نُشُوبِ الحرب العالميَّة الأولى، عبر إحياء حفلاتِها في دُور الموسيقى ذات الطابَع الفَنِّيّ القديم، ثم أصبَحَت فيما بعد قائدةً لفرقتها المسرحيَّة الخاصَّة بها، مما يجعلها، على الأغلب، أوَّل امرأةٍ مصريَّة مسلمة الديانة تقفُ على خشبة المسرح.

 

رافائيل كورماك: ترَكَت منيرة المهديَّة علامةً بارزةً في تلك الفترة كمغنية وممثلة وفنّانة استِعراضيَّة. كما أنّها تُمَثِّل الجِسر الذي يَصِلُ بين عالَمَي الفُنُون الأدائيَّة المصريَّة: إذ بَدَأَت مسيرتَها الفنيَّة قُبَيلَ نُشُوب الحرب العالميَّة الأولى، عبر إحياء حفلاتها في دُور الموسيقى ذات الطابَع الفَنِّيّ القديم، ثم أصبَحَت فيما بعد قائدةً لفرقتها المسرحيَّة الخاصَّة بها، مما يجعلها، على الأغلب، أوَّل امرأةٍ مصريَّة مسلمة الديانة تقفُ على خشبة المسرح. ثم انتَقَلَت بعد ذلك إلى العالَم الحَداثِيّ المُتَمَثِّل بفُنُون الكَباريه في "شارع عماد الدين"، بعد الحرب العالميَّة الأولى. تلك الحرب، وكذلك ثورة 1919 ضد الاِحتلال البريطاني، مَثَّلَتا نقطةَ تحَوُّلٍ فارقة في الثقافة السائدة في مصر، مع الوعي بضرورة التطوُّر في طرح الفُنُون والثقافة. كانت منيرة المهديَّة في قلب كل هذه التطوُّرات، فتمكَّنَت من تحقيق النَّجاح في أكثر من ضَرب من أضرُب الفُنُون التَّرفيهيَّة والأدائيَّة. 

قنطرة: ما هي المواد التي قُمتَ بتجميعها عن قصص الفنّانات اللَّاتي في كتابك "القاهرة في مُنتصف الليل"؟

رافائيل كورماك: الصحافة المُعاصِرة لزمن هؤلاء الفنّانات كانت بالنسبة لي هي المصادر الرئيسيَّة التي كَشَفَت عمّا كان يحدُث معهنّ، وكذلك المُذَكِّرات التي قُمنَ أغلبهنّ بكتابتها. يحملُ الكتابُ بين دَفَّتَيه السِّيَر الذاتيَّة لهُنّ جميعًا. وحتى الفنّانات اللَّاتي لم يَنشُرنَ مُذَكِّراتهنّ الشخصيَّة، قد تَرَكنَ لنا مقالاتٍ وقُصاصاتٍ صحفيَّة عن مسيرتهِنّ الحياتيَّة والفنيَّة.

الغلاف الإنكليزي لكتاب رافائيل كورماك "القاهرة في مُنتصف الليل – سيّدات الغِناء والاِستعراض في عَقد العشرينيات الصاخِب في مصر" (دار النشر: و. و. نُورتُون)  (published by W. W. Norton)
كانت الأزبكيَّة بعيدةً كل البُعد عن فردوس التحرُّر بالنسبة للحراك النِّسويّ: "الحنين إلى الماضي هو الحاجِز الأكبَر الذي يقفُ أمامنا عند الكتابة عن مصر في العشرينيات والثلاثينيات، لأنّ الناس تنظُر إلى تلك الحِقبة الثقافيَّة المصريَّة من خلال عدساتٍ ورديَّةِ اللون – وكأنّها كانت ملأَى بالفُرَص اللّامُتناهية. على الرغم من أنّ المرأة المصريَّة لم تتمكَّن من الحصول على حق التَّصويت والترشُّح في الاِنتخابات حتى الخمسينيات"، كما يُخبرنا المؤرخ كورماك.

أكثَر ما استَمتَعتُ به هو اكتشاف المجلّات الفنيَّة القديمة التي يعودُ تاريخها إلى العشرينيات، والتي كانت ملأَى بثَرثَرَة الوسط الفنِّيّ والقصص المُشوّقة. المجموعة الأفضل من هذه المَجلّات موجودة في "دار الكتب والوثائق القوميَّة" [المكتبة الوطنيَّة المصريَّة]. كما تَملِك الجامعة الأمريكيَّة بالقاهرة مجموعةً مُذهِلةً من المواد المتعلقة بهذا الموضوع. قُمتُ أيضًا بإضافة النتائج التي وصلتُ إليها من مصادر متفرّقة من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى تلك التي وصلتُ إليها من أبحاثي الأوَّليَّة، وكذلك بالبحث في شبكة الإنترنت. 

قنطرة: ذكرتَ في كتابك بأنّ "تاريخ الأزبكيَّة هو أيضًا تاريخ مصر الحديثة"، كما تُشيرُ إلى التطوُّرات التي حدَثَت حينها، مثل بدايات نشُوء الحراك النِّسوي المصري. نراك تُصَوِّرُ هدى شعراوي – وهي من أبرز قيادات هذا الحراك – بطريقةٍ سلبيَّةٍ في كتابك، على الأقل بالنسبة لما يتعلَّق بموضوع العلاقة الغراميَّة التي كانت تربُط ابنَها محمد بالمُطربة فاطمة سِرّي.

رافائيل كورماك: بعد دُخولِهما في علاقتِهما العاطفيَّة بفترة، تزوَّجَت فاطمة سِرّي من محمد شعراوي زواجًا عُرفيًّا عام 1924 – وهو اتفاقٌ سِرّيٌ بين الزوجين أمام شُهُود، دون أن يُوَثَّقَ العَقد في المحكمة الشرعيَّة. وبطبيعة الحال، أخفَى محمد شعراوي زواجَه عن عائلته وأصدقائه، إلّا أنّه سرعان ما هجر فاطمة فور ولادتها ابنتهما ’ليلى‘. فقرَّرَت فاطمة بدورها اللجوء إلى المحكمة الشرعيَّة، ونجَحَت بذلك في إجباره على التكفُّل بمصاريف النَّفقة. 

أثناء فترة مُرافَعات القضيَّة ما بين عامي 1926-1927، قامت فاطمة سِرّي بنَشر روايتها للأحداث في مجلة "المسرح" الأسبوعيَّة، تقول فيها أنّ هدى شعراوي لم تكُن موافِقة على ارتباط ابنها بمُطربة، وبأنّها في أغلب الظَّن هي التي سَعَت إلى التفرقة بين الزوجين. وأنا بهذا، لم تكُن في نيَّتي الاِستِهانة بإنجازات أسماء كبيرة في حراك العشرينيات النِّسوي أمثال هدى شعراي؛ فإنجازاتهنّ مَدعاة للإعجاب، ولا يُمكِن إنكارها بأيّ حال من الأحوال.

لكن، في نفس الوقت، أرَدتُ أن يكشفَ هذا الكتاب عن جانبٍ آخر للحركة النِّسويَّة في مصر تلك الفترة، وهو طرَفٌ غالبًا ما يتم تجاهله، لأنّ الرأي العام ينظرُ إليه وكأنّه من الطبقات الدُّنيا أو تلك المُنحَلَّة أخلاقيًّا.

قنطرة: تَقترِحُ لنا قصة المُطربة فاطمة سِرّي بأنّ – خلف مظاهِر الحياة البَرَّاقة تلك – لم تكُن معيشَة الفنانات المصريّات في العشرينيات والثلاثينيات بالرَّونَقِ الذي نتخيَّله. ماذا وَجَدتَ بهذا الشأن حين بَحَثتَ في سِيَر نساء الأزبكيَّة؟

رافائيل كورماك: من ناحية، الكتابة عن هؤلاء النّسوة هي فرصة للإشادة بإنجازاتهنّ. لكن من ناحية أُخرَى، هذا يعني أنّنا يجب أن نَكشِفَ الأزبكيَّة على ما كانت عليه في الواقع، أي، في مكانٍ بعيدٍ كل البُعد عن فردوس النِّسويَّة. كانت قصصُ التَّعنيف والاِعتداء والاِستغلال الجِنسيّ جُزءًا من ذلك التاريخ. حتى أكثر الفنانات شُهرةً لم يَسلَمنَ من تجاوزاتٍ كهذه. وأغلب الظنّ أنّ أكثر من عانَى منهنّ كُنّ تلك النّسوة اللاتي لم تُوَثَّق حوادثُ الاعتداء عليهنّ. واحدة من قصص التَّعنيف هذه هي تلك التي تُخبرنا بما تعرَّضَّت إليه الراقصة امتثال فوزي حين كانت تحاولُ أن تُديرَ صالةَ مَلهَى خاصَّةً بها. لكنّها واجَهَت عصابةً من فتوّات الحيّ، الذين حاولوا أن يُجبروها على دفع الإتاوَة. وحين رَفَضَت، قام أحدُ أعضاء العصابة بقتلها خلف مبنى المَلهَى. السبب الأوحَد الذي عرَّفَنا بما حدث هو تفاصيل القصة التي كانت همجيَّةً لدرجة أنّها تصدَّرَت الصُّحُفَ المصريَّة. وأنا متأكد من أنّ هناك الكثير من القصص المُشابِهة التي لم تَخرُج على المَلَأ، لأنّها لم تُوَثَّق من الأصل.

قنطرة: ما هي الاِلتباسات الأُخرَى التي حاوَلتَ أن تتفاداها في كتابتك عن تلك الفترة الزمنيَّة بالذات؟

رافائيل كورماك: الحَنين إلى الماضي هو الأمر الشائك الأكبَر الذي يقفُ أمامنا عند الكتابة عن مصر في العشرينيات والثلاثينات. لأنّ الناس تنظُر إلى تلك الحِقبة الثقافيَّة المصريَّة من خلال عدساتٍ ورديَّةِ اللون – وكأنّها كانت ملأَى بالفُرَص اللّامُتناهية. على الرغم من أنّ المرأة المصريَّة لم تتمكَّن من الحصول على حق التَّصويت والترشُّح في الاِنتخابات حتى الخمسينيات. دون شك، فقد تمتَّعَ المصريُّون بحقوق معيَّنة في الخمسينيات أكثر من تلك التي كانت مُتاحةً لهُم في العشرينيات الصاخِبة، إلّا أنّ هناك جانِبًا آخَر يخضغُ للطَّرح العاطفيّ بطريقة مُبالَغ بها، خاصة من قِبَل الكُتَّاب الأوروبيين، ألا وهو كوزمُوپُوليتانِيَّة تلك الحِقبة، والتي يُظهِرونَها على أنّها كانت حصريَّةً على جماعةٍ دون غيرها. لذا، حاوَلتُ من طَرَفي أن أُوضِّحَ للقارئ أنّ هذه الكوزمُوپُوليتانِيَّة قد تمثَّلَت أيضًا في احتوائها للمصريين العرب، وبقَدرٍ لا يقلّ عن بقية المُجتمَعات – اليونانيَّة، والإنجليزيَّة، والفرنسيَّة، وغيرها.

قنطرة: حقَّقَت أُم كلثوم هي الأُخرَى نجاحًا كبيرًا في قاهرة العشرينيات، كما خلَّفَت إرثًا عالميًّا فارِقًا سيُكتَبُ له الاِستمرار لمائةِ سنةٍ أُخرَى، على الأقل. بالإضافة إلى التَّفوُّق المُبهِر لأُم كلثوم، ما هو برأيك الإرث الفَنِّي للأزبكيَّة بصفة عامَّة؟

 

من اليسار إلى اليمين: نبويَّة موسى، هدى شعرواي، سيزا نبراوي – الوفد المصري في "مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي" في روما، 1923. لعبَت هدى شعراوي دورًا رئيسيًّا في بدايات القرن العشرين في الحراك النِّسوي المصري، وفي النضال الوطني ضد الاِحتلال البريطاني. إضافةً إلى ذلك، كانت شعراوي ناشطةً في العمل الاجتماعي لرعاية المُحتاجين من النساء والأطفال، كما أسَّسَت "جمعية الرُّقِيّ الأدبيَّة للسيدات المصريَّات" عام 1914، و"الاتحاد النسائي المصري" عام 1923، وتوَلَّت منصبَ رئاسةِ لجنة "حزب الوفد" المركزيَّة للنساء عام 1920. بعد عودة الوفد النسائي من مؤتمر روما عام 1923، قُمنَ كل من هدى شعراوي ونبويَّة موسى وسيزا نبراوي بخلع حجاب الوجه (النقاب) علانيةً، كحركةٍ رمزيَّةٍ أمام "محطة مصر للقطارات" في القاهرة.
يقول المؤرخ كورماك: "لم تكن في نيتي الاستهانة بإنجازات أسماء كبيرة في الحراك النسوي في العشرينيات أمثال هدى شعراي؛ فإنجازاتهن مدعاة للإعجاب، ولا يمكن إنكارها بأي حال من الأحوال. لكن، في نفس الوقت، أردت أن يكشف هذا الكتاب عن جانب آخر للحركة النسوية في مصر أثناء تلك الفترة، وهو جانب غالبا ما يتم تجاهله، لأن الرأي العام ينظر إليه وكأنه من الطبقات الدنيا أو تلك المنحلة أخلاقيا". في الصورة من اليسار إلى اليمين: نبوية موسى، هدى شعرواي، سيزا نبراوي – الوفد المصري في "مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي" في روما، 1923. لعبت هدى شعراوي دورا رئيسيا في الحراك النسوي المصري وفي النضال ضد الاحتلال البريطاني. كانت شعراوي ناشطة في العمل الاجتماعي لرعاية النساء والأطفال، كما أسست "جمعية الرقي الأدبية للسيدات المصريات" عام 1914، و"الاتحاد النسائي المصري" عام 1923، وتولت منصب رئاسة لجنة "حزب الوفد" المركزية للنساء عام 1920. بعد عودة الوفد النسائي من مؤتمر روما عام 1923، قمن كل من هدى شعراوي ونبوية موسى وسيزا نبراوي بخلع حجاب الوجه (النقاب) علانية، كحركة رمزية أمام "محطة مصر للقطارات" في القاهرة.

 

رافائيل كورماك: يجب أن نُوضِّح أنّ هناك العديد من ضُرُوب الإنتاج الفَنِّيّ! المسرح والرَّقص والغِناء والسينما – فكُلّ هذه الفنون متَّصِلَة بعضها مع بعض، لأنّ الكثير من فنّانِي وفنّانات ذلك الزمن كانوا مُبدِعين في أكثر من نوع من الفُنُون الترفيهيَّة. تلك كانت الفترة التي شَهِدَت بناء قاعدة الأساس لكَمٍّ لا بأس به من أصناف الثقافة المصريَّة المُعاصِرة – وهؤلاء الفنّانات كُنّ في مركز هذا الإبداع. إذ لا يُمكنك التطرُّق إلى الزَّمن الذَّهبي للسينما المصريَّة في الخمسينيات والستينيات دون ذِكر فنّانات رائدات مثل عزيزة أمير، التي مَثَّلَت في فيلم يُمكن تصنيفه كأوَّل فيلمٍ مصري – "ليلى" – عام 1927. أما بالنسبة للمسرح، نتذكَّر هنا فاطمة رُشدي التي كانت من أهم من أسَّسَ فرقةً مسرحيًّةً في العشرينيات والثلاثينيات. لم تتمكَّن رُشدي من السَّيطرة على المَشهَد المسرحي في القاهرة فحسب، بل نَجَحَت كذلك في التنقُّل بأعمالها المسرحيَّة إلى كافَّة أنحاء الشَّرق الأوسط وشمال أفريقيا – رغم أنّنا في أيامنا هذه مازلنا لا نتذَكَّر سوى يوسف وهبي. هذا غير صحيح، لأنّ فاطمة رُشدي وبهيجة حافِظ كُنّ أيضًا من الرَّائِدات في صناعة السينما.

قنطرة: ثُمّ جاءَت ثورة يناير 2011، فشَهِدَت بدورها إعادةَ ظُهُور وانتشار موسيقى العشرينيات مرَّةً أُخرَى.

رافائيل كورماك: يُمكِنُنا القول إنَّنا شَهِدنا ما يُمكِن وصفه بـ "الشُّعور الوطني المُتَكامِل" – الذي عبَّرَت عنه أغنيات كتلك التي أبدَعَها أمثال الشيخ سيّد درويش أثناء ثورة 1919 ضد الاِحتلال البريطاني، وبعدها – كان هذا الصَّدَى الموسيقيّ منتشِرًا بين الثُّوار عام 2011. وفي عام 2014، قدَّمَت الكاتبة والمُخرجة المسرحيَّة ليلى سليمان عرضَها الأوَّل لمسرحيَّة "هَوَى الحُريَّة"، بمعنى، ’نَزوَة الحُريَّة‘، طَرَحَت من خلالها جوانِب مُتماثِلَة كثيرة بين ثورَتي 1919 و 2011. دون شك، هناك اهتمامٌ متزايدٌ بتاريخ مصر الثقافي في العشرينيات والثلاثينيات، وذلك بسبب تلمُّس فنّاني اليوم لإمكانيَّات التَّقدُّم وعوامِله اللذين رَسَما مَعالِم تلك المرحلة. وكتابي "القاهرة في مُنتصَف الليل" يهدفُ إلى إبراز العوامِل الكثيرة المُرَكَّبة في تلك الحِقبَة الثقافيَّة الهامَّة، وكذلك إلى تِبيان الأسباب التي مازالت تجعلها مُثيرَةً للإعجاب حتى يومنا هذا.

 

 

حاورَته: آنا-تيريزا باخمان

ترجمة: ريم الكيلاني

حقوق النشر: موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

 

رافائيل كورماك حاصِل على درجة الدكتوراه في المسرح المصري من جامعة إِدِنبرَه، وهو باحِث زائر في جامعة كولومبيا، نيويورك. مُحرِّر ومُترجِم حائز على عدَّة جوائز أدبيَّة، وهو مساهم في الكتابة عن الثقافة العربيَّة في مجلة "مُراجَعات لندن للكتب"، وفي مجلة "پروسپيكت" البريطانيَّة الشهريَّة، وكذلك المُلحَق الأدبي لصحيفة الـ "تايمز" البريطانيَّة، وغيرها من المطبوعات. هو أيضًا مُحرِّر المجموعة الأدبيَّة "كتاب القاهرة"، ومُحرِّر مُساعِد للمجموعة الأدبيَّة الأُخرى "كتاب الخرطوم".

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة