لقد نشأت وترعرعت في منطقة الجزيرة العربية، وهي، مثلما توضح رواياتك، معزولة وبعيدة عن التيارات الثقافية والفكرية التي اجتاحت العالم العربي، وبالأخص منطقة الشرق الأوسط في مطلع هذا القرن، ومع ذلك فإنّ القارئ يستطيع أن يلمس مستوى النضج الفنّي والتقنية المستخدمة في كتاباتك والتي يمكن مقارنتها بكتابات الجاحظ والتوحيدي، لكنهما ليسا روائيين مثلك، فهل يمكن أن تتحدث لنا عن المؤثرات التي ساهمت في تكوين منهجك الروائي وتطويره؟ وهل أردت مثلاً أن تصدم القارئ من خلال طرح عمق المأساة؟

منيف: أولاً شكراً على الثناء والمقارنات التي ذكرتها، والتي لا أستحقها. والشيء الثاني هو أنّي حاولت في رواياتي تقديم صورة عن الحياة في تجلياتها الأدقّ وربما الأعمق، ومن هنا فأنّي أعتبر الحياة بمثابة مسيرة طويلة وبشر متنوعين، والبطولة هي بطولة الناس المجهولين، أي الناس المغيّبين بشكل مقصود.

أنا عندما عالجت هذا الموضوع، وتحديداً في "مدن الملح"، كان في ذهني أن أحاول قدر الإمكان كتابة التاريخ غير المكتوب، بمعنى أنّ التاريخ الرسمي قد دوّن وانتهى أمره، وهو تقريباً التاريخ الرائج والسائد الآن. فأنا أذن حاولت أن أكتب بمعنى ما تاريخاً موازياً للناس المجهولين وللحياة التي كانت سائدة آنذاك. ولهذا السبب نشأ نوع من الصراع ونوع من المعاناة الكبيرة، بحيث أن الناس )الشخصيات)، عندما تعاملوا مع الوقائع والأحداث فإنهم تعاملوا معها بالكثير من الصدق والنبل. وحتّى غياب الناس، على أساس أنّ عصرهم قد انتهى، لا يعني غياب المشكلة أو غياب الناس نهائياً. ولم أردّ في الواقع أن أصدم القارئ ، لكني أردت أن أبصرّه أكثر، وأقول له إنّ المشكلة فيها وجع وفيها فجيعة وتتطلب انتباه بالضرورة.

وإذا كان هناك في بعض الأحيان نوع من المرارة في رسم صور بعض الأبطال فهي مجرد محاولة تنبيه أخيرة قبل فوات الأوان، وإذا كانت هناك إمكانية للإنقاذ الآن فلنحاول إذن أن نفعل شيئاً ما. و"متعب الهذّال" أو "وضحة" أو "أمّ الخوش"، فهم، وإن انتهوا، لكنهم تركوا بذوراً ومناخاً معيّناً يساعد على رؤية أوضح. وأنا أتصوّر أن مهمة العمل الفنّي هي مهمة مزدوجة، فعليه من ناحية أن يعمّق وعي الناس بالمشاكل، وعليه من ناحية أخرى أن يضاعف من حساسيتهم في التعامل معها، وليس مهمته التبشير وطرح الحلول.

ويعني أنّك كلما تخلق قلقاً إيجابياً عند الآخرين تدفعهم إلى التساؤل، وكلما حاولت معهم لكي يفهموا واقعهم برؤية أوضح فإنّ العمل الفنّي يخدم حينئذ المرحلة ويخدم الناس والفنّ. فالقضية ليست استدرار عطف أو محاولة تبرير مواقف، وليست قضية دفاع عن شخصيات منفردة ومعزولة، وإنما هي رسم بانورامي للحياة في مرحلة معيّنة بما يتخللها من صعوبات وخيبات أمل وأحلام مكسورة. وهي أخيراً صورة أو مجموعة صور، وبالتالي مطلوب من القارئ أن يعيد تركيبها من جديد.

الروائي العربي عبد الرحمن منيف: "الرواية الجديدة والتقدمية هي الرواية المخدومة فنيّاً بشكل جيّد، ولا يشفع لها حسن نيتها، ولا تشفع لها حقيقة أنها تعالج موضوعاً معيناً، إنما يجب أن تكون جيّدة من ناحية البناء الفنيّ“
الروائي العربي عبد الرحمن منيف: "الرواية الجديدة والتقدمية هي الرواية المخدومة فنيّاً بشكل جيّد، ولا يشفع لها حسن نيتها، ولا تشفع لها حقيقة أنها تعالج موضوعاً معيناً، إنما يجب أن تكون جيّدة من ناحية البناء الفنيّ“

في عملك الأخير تناولت بتفصيل وعلى مدى زمنيّ طويل الدور الأمريكي-الغربي في المنطقة وبحثهم عن النفط والموارد الاقتصادية الأخرى، وتحدثت بصراحة عن نشوء المؤسسات القمعية في دول النفط مثل أجهزة الأمن والمخابرات والشرطة والصحافة الحكومية. ألم تضعك هذه الجرأة في مواجهة مع هذه الأنظمة التابعة للغرب؟

منيف: لا أريد هنا أن أبالغ، فأنا لم أتخلّص من الإشكالات إطلاقاً، يعني أنّي لم أكن قد دخلت فيها  ثم خرجت منها. والكثير من المثقفين والكتّاب يعيشون حالة إشكالية مع الآخر، والآخر هذا متنوّع، فممكن أن يكون عبارة عن السلطة الحاكمة أو السلطة الاجتماعية أو المؤسسة الدينيّة. ويحصل هذا الإشكال أحياناَ مع الأصدقاء، ومن القسوة بمكان  أن يتم التعامل عبر هذه الوسائل.

وأتصوّر أنّ هناك نوعاً من الترضية إزاء هذه الإشكالات التي خلقت وما زالت والتي من المحتمل أن تخلق في المستقبل، بمعنى أن الناس يستقبلون العمل الإبداعي ويستوعبونه ويتجاوبون معه؛ فهي كما ترى واحدة بواحدة.  وأنا مستعد أن أتحمّل نتائج أعمالي، لكني أشعر أحياناً بأنّ أعمالي تصل إلى الآخرين، وبأنّ الآخرين يتعاطفون معها ويقدمون لي الحماية من أجلها، لهذا السبب فإني أرى القضية متكافئة إلى حدّ ما ومشروعة.

هل حدث مرّةً أن قرأ حاكم أو سلطان عربي شيئاً من أعمالك؟

منيف: تُقرأ له. أنا متأكد أنّ الحاكم العربي يعتبر نفسه أكبر من الرواية وأهمّ منها، وليس لديه الوقت للاهتمام بأمرها. لكن هناك الكثير من الخيّرين، والخيّرين بين قوسين، الذين يقرأون الروايات بغية تحريض الحاكم وتوصيل رسائل معينة لترتيب وضع معيّن. وأنا متأكد من أنّ الحاكم، أيّ حاكم، عندما يقرأ رواية ربما يتحسّن، بل من المحتمل أن يتغيّر. فمثلاً عندما قرأ قيصر روسيا رواية دوستويفسكي "ذكريات من بيوت الموتى" أخذ يبكي وأمر بإيقاف الجلد الذي كان سائداً آنذاك في السجون الروسيّة. وأنا لا أطمح، ولا أتوقع أن يصل الحكّام العرب إلى هذا المستوى، لكني مع ذلك مطالب بإيصال هذه الرسالة.

هل من الممكن أن تتحدث لنا عن الأسباب التي جعلتك تترك العراق رغم أنّك كنت تشغل مركزاً ثقافيّاً مرموقاً؟

منيف: بصراحة أنا كنت أعتبر نفسي ضيفاً في العراق، وكنت أنظر إلى إقامتي، مهما طالت، بأنها ستنتهي في وقت من الأوقات، هذا أوّلاً. والشيء الثاني هو اعتقادي بأنّ الكتابة أصبحت بالنسبة لي الهمّ الأساسي، وربما الوحيد، ولا أريد أن انشغل في موضوع آخر، لذلك قررت التفرّغ للكتابة. والشيء الثالث هو أنّي لم أكن مقتنعاً بقضية الحرب )العراقية-الإيرانية)، لأنها كانت حرباً مجانية، وليس لها ما يبررها، وبالتالي ليس لأحد أن يتفق معها.

لابد أنّك سمعت بمشروع الوحدة الألمانية، أو قرأت شيئاً عنه، فهل تتمنى أن تحقق وحدة عربية مماثلة؟

الجزء الثالث من "مدن الملح" الصادر حديثاً بالألمانية
يعتبر الاديب الراحل عبد الرحمن منيف واحداً من أبرز أعلام الرواية العربية المعاصرة الذين تمسكوا بقيم الحرية والعدالة في الحياة المعاصرة، ونقلوا الرواية إلى أفق جديد ومتحرر، رغم توترات السياسة وعنفها

منيف: الوحدة العربية أتمناها أمنيةً، لكن هذه الأمنية سوف تكون مستحيلة التحقيق بالنظر إلى أوضاعنا الحالية، فعلينا أن لا نحلم كثيراً أو نُكثر من توقعاتنا. فالوحدة بدون أساس موضوعي قائم على الوعي والمصالح المشتركة وتقارب أنظمة الحكم وأنماط الحياة الداخلية هي نقيض لفكرة الوحدة. فلابد أن يتوفر مناخ للوحدة وشروط معيّنة  ونوع من الإيمان أيضاً والاستعداد للتضحية من أجلها.

أنا مع الوحدة الألمانية وأتمنى أن تتحقق وحدةٌ، أو وحداتٌ في بلادنا تقرّب الناس من بعضها البعض وتزيل الحواجز. لكن هذا الأمر لا يجوز أن يبقى مجرّد رغبة، بل إنّه يستلزم عملاً صبوراً وطويلاً. وبالأخص أن هناك عقل تجزئة نشأ في المقابل، عقل تجزئة وانفصال  وابتعاد، وأصبحت له مقومات على الأرض وبات مكرّساً عملياً. وأنتم باعتباركم مقيمين في ألمانيا تستطيعون أن تقيّموا موضوع الوحدة الألمانية أفضل منّي، وأنا لا أستطيع أن أخوض في هذا الموضوع كثيراً، فربما هناك إشكالات في جوانب معيّنة يمكن أن تؤدّي إلى هذه النتيجة أو تلك. وإجمالاً، فأنا اعتبر الوحدة أمراً طبيعيّاً، وكلّ شعب له الحقّ في إقامة دولته الموحدة، ومن غير الطبيعيّ التجزئة والانفصال في أجزاء الوطن الواحد.

 

أجرى الحوار: حسين الموزاني

حقوق النشر: موقع قنطرة 2014

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : عبد الرحمن منيف: "النهضة العربية وهم والوحدة العربية مجرد أحلام"

كم أحزن على حال بلدي حين يحتفي العالم بالروائي الاديب السعودي عبد الرحمن منيف وفي بلده غير معروف لاسباب سياسيه وايدلوجية.

sami ali13.04.2014 | 00:03 Uhr

شكرا لهذا الحوار. فعلا الاديب الراحل عبد الرحمن منيف لا يزال من أبرز أعلام الرواية العربية المعاصرة الذين تمسكوا بقيم الحرية والعدالة في الحياة المعاصرة، ونقلوا الرواية إلى أفق جديد ومتحرر. نحن نحتاجه في زمن الثورات العربية.

عبد الوهاب الار...14.04.2014 | 14:35 Uhr

اللقاء جميل ولكن اين كان هذا اللقاء طيلة اكثر من عقدين او ثلاثة؟ هل كان ضائعا وعثر عليه الصحفي الذي اجرى المقابلة اثناء نقله اغراضه من منزله الى منزل اخر مثلا؟ لا يجب ان نشكك بطوية البشر ولكن نشر مقابلة بعد عقود من اجرائها يمكن ان يدخل في موسوعة جينس للارقام القياسية.

محمد عمران14.04.2016 | 19:43 Uhr