في خضم تلك الفوضى، كانت الدول التي تمكنت حتى الآن من اجتياز تلك الفترة بشكل ما أو بآخر، مثل إسرائيل والجمهورية الإسلامية الإيرانية، قادرة على الظهور على الساحة بقوة.

وبالرغم من أن وضع الملالي السياسي داخل إيران هشّ، إلا أنهم نجحوا – خارجياً وإقليمياً – في استغلال نقاط ضعف خصمهم الرئيسي، الولايات المتحدة، والتحالف الذي يقوده. إيران قامت بتحريك حلفائها ذوي الغالبية الشيعية، وبات الشرق الأوسط والأدنى متأثراً بقوة بالصراع السني الشيعي.

هنا يتوهم المرء إِنْ كان يظن بأن الانتصارات الإقليمية للجمهورية الإسلامية الإيرانية سببها قوة الأصولية الشيعية، وهي وجه آخر من وجوه "الإسلام السياسي". في هذا الوضع الفوضوي، تظهر إيران – بسبب حكامها المعارضين لأمريكا أو بالرغم من وجودهم – بالنسبة للبعض وكأنها قوة استقرار ويتقبلون سلطتها الإقليمية كأَهْوَن الشرور.

الإسلام يجزئ نفسه بنفسه ولم يعد يصلح لأن يكون صورة عدو. دونالد ترامب أدرك ذلك بشكل أسرع من قيادات الاتحاد المسيحي الديمقراطي وأولئك المعارضين لـِ "أسلمة الغرب". في بداية فترة ترامب الرئاسية، كانت قوائم منع سفر مواطني عدد من الدول الإسلامية تتصدر سياسة الهوية الخاصة به. لكن غضبه الآن بات مسلطاً على السود، الذين يقيمون في "جحور متسخة تملؤها الجرذان"، و"الهِسبانيين" (المنحدرين من أمريكا اللاتينية)، الذين يريدون اجتياز الحدود من المكسيك أو يعيشون بشكل "غير قانوني" في الولايات المتحدة ويتوجب ترحيلهم.

 

 

الزعيم الروحي الإيراني آية الله علي خامنئي (يمين) والرئيس حسن روحاني.  Foto: leader.ir
تحالف ناجح ضد الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة: هنا أيضاً يخطئ المرء لو عزا انتصارات الجمهورية الإسلامية الإيرانية الإقليمية إلى قوة الأصولية الشيعية، التي هي شكل آخر من أشكال "الإسلام السياسي". في خضم هذه الفوضى، تبدو إيران للبعض – رغم حكامها المعارضين لإيران أو بسبب وجودهم – وكأنها قوة استقرار وتبدو أحقيتها في القيادة الإقليمية كأهْوَن الشرور.

 

ذوبان معاداة الإسلام في العنصرية القديمة

العداء للإسلام بات الآن ذائباً في العنصرية التقليدية. فوصف أصحاب البشرة المختلفة أو اللغة المختلفة أو غيرهم بأنهم أقل قيمة ودخلاء على البلاد يشكل الآن صورة العدو الجديدة لسياسات الهوية الغربية. العنصرية ميزتها في شموليتها، وهي بالطبع تشمل المسلمين.

لقد انتقلت هذه النزعة منذ فترة إلى أوروبا: جرائم العشائر العربية [في ألمانيا]، ونِسَب الإخصاب المخيفة لدى الأفارقة التي لا تستطيع الحضارة وضع حد لها، أو ميولهم الجينية لدفع الأطفال أمام القطارات السريعة. تحويل النقاش باتجاه التساؤل عن الهوية لا يمكن تجاهله.

تم إصدار حكم بالسجن تسع سنوات ونصف السنة على مصفف الشعر (علاء س.) من مدينة كيمنتس -بتهمة هجوم بسكين لم يثبت بالأدلة- ليس لأنه مسلم، بل لأنه طالب لجوء ولاجئ. تركُ اللاجئين يغرقون في عرض البحر أو رفض وصولهم إلى السواحل الأوروبية لأيام أو أسابيع لم يكن ممكناً دون نزع عنصري ومستمر للصفة البشرية عنهم. لقد تم إدراك أوجه التشابه بين ما يحصل على الحدود الجنوبية لأمريكا والحدود الجنوبية لأوروبا.

بالطبع استدعت تلك العنصرية معارضة لها. فضحاياها باتوا يعلون أصواتهم. كما أن الكثير من المواطنين يرفضون السياسات الهوياتية تلك بسبب الأحداث التاريخية في أمريكا وأوروبا. إنهم يعلمون بأن الرخاء الذي تعيشه طبقاتنا المتوسطة يأتي على حساب معاناة مناطق أخرى حول العالم. التقلب المناخي أيضاً يهدد بأن تصبح هذه الحقيقة أكثر وضوحاً من ذي قبل.

وفي الوقت المناسب، إذا كان يمكن قول ذلك بشكل ساخر، ازدادت حدة النقاش مجدداً، بعد أن نشر الكاتب الأمريكي جيمس كيرتشيك كتابه "اليساريون وصراع العرقيات"، الذي أطلق فيه العنان لخياله، فهو يرى "الرجال البيض" كضحايا لعنصرية جديدة تمارسها القوى التقدمية. يحوّل كيرتشيك في كتابه الجناة إلى ضحايا والضحايا إلى جناة، وبذلك يتوافق تماماً مع الخط الذي ينتهجه دونالد ترامب، والذي انطلق في مطلع فترته الرئاسية لإنهاء "المذبحة" التي يعاني منها أنصاره البيض وإعادة حقوقهم لهم.

 

 مظاهرة ضد العنصرية وصعود اليمين المتطرف تحت عنوان "غير قابل للتقسيم" قرب بوابة براندنبورغ في برلين 17 / 06 / 2019.  Foto: Christoph Soeder/dpa
مظاهرة ضد العنصرية وصعود اليمين المتطرف تحت عنوان "غير قابل للتقسيم" أمام بوابة براندنبورغ في برلين: بالطبع تثير العنصرية الجديدة معارضة لها. فالضحايا يعلون أصواتهم، والكثير من المواطنين يرفضون السياسة الهوياتية تلك بسبب التجارب التاريخية في أمريكا وأوروبا. هؤلاء يعلمون أن الرخاء الذي تعيشه طبقاتنا الوسطى يأتي على حساب معاناة الكثير من مناطق العالم.

 

نُشر لكيرتشيك أيضاً مقال في 15 أغسطس/ آب 2019 يحمل نفس العنوان "اليساريون وحرب العرقيات" على موقع صحيفة "فرانكفورته ألغيماينه" الإلكتروني الألماني. هذا ليس مؤشراً جيداً، لأن "حرب العرقيات" كان مصطلحاً هاماً في قاموس أدولف هتلر، وبه أعاد كتابة البرنامج السياسي للاشتراكيين القوميين منذ وقت مبكر. فما هي النوايا التي يلمّح لها كيرتشيك و"فرانكفورته ألغيماينه" عند "اليساريين"؟

في معرض ردها على استفسار، قالت الصحيفة إن الكاتب تناول "أيضاً من خلال حجج عنصرية الجدل السياسي في الولايات المتحدة"، وأنها تعتبر "النص مقال نقاش هام".

إن انتصار الرأسمالية العالمية والديمقراطية الليبرالية يقف – كما هو معروف – عند نهاية التاريخ. وإذا كان لتلك النهاية أن تكون تتويجاً أبدياً للنجاح، وأن تبقى قدر الإمكان في ظل "سيادة بيضاء" دون أي إزعاج، فإن البعض مستعد للقيام بأي شيء من أجل ذلك.

 

شتيفان بوخن

ترجمة: ياسر أبو معيلق

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 
يعمل شتيفان بوخن صحفيًا للتلفزيون في برنامج بانوراما في القناة الألمانية الأولى.
 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.