ويذهب القسم الأكبر مما يجنيه العمال الوافدون على شكل تحويلات مالية إلى الوطن الأم؛ وفي كثير من الحالات لا يرى هؤلاء عائلاتهم لسنين طوال، ليواجهوا بعد عودتهم إلى الوطن صعوبات في الاندماج في هياكل العائلة التي تغيرت بمرور الزمن.

وتعتمد بعض الدول المثقلة بالأزمات، والمصدرة لليد العاملة في جنوب آسيا، مثل باكستان وبنغلادش، بصورة كبيرة على التحويلات المالية القادمة من خارج البلاد، بما يمكنها من حفظ اقتصاداتها المنهكة من الانهيار.

ومن إجمالي التحويلات المالية المتدفقة من دول الخليج العربية الذي بلغ 131 مليار دولار أميركي في العام 2018، ذهب أكثر من 78 مليار إلى جنوب آسيا. وتلقّت البلدان المصدرة لليد العاملة في جنوب آسيا من مجموع المبالغ المحولة ما تصل نسبته إلى 21,2% من الإمارات العربية المتحدة، و18% من المملكة العربية السعودية، و6,2 من دولة قطر.

نظام هجرة تسيطر عليه شبكات الإجرام

ولا تدافع البلدان المصدرة لليد العاملة عن حقوق مواطنيها في دول الخليج تجنبًا لتعريض هذه الواردات المالية للخطر، ولذلك لا يزال كثير من المهاجرين الباكستانيين مجبرين من قبل وكالات توظيف اليد العاملة الأجنبية على تهريب المخدرات، وكثيرًا ما تم اعتقالهم عند وصولهم لإحدى دول الخليج، ليواجهوا بعد ذلك الحكم بالإعدام.

 

 

وفي معظم الحالات لا توفر لهم قنصليات بلادهم الحماية، وغالبًا ما يُترك من تسبب بكل هذا، أي وكالات توظيف اليد العاملة الأجنبية، يسرح ويمرح بلا عقاب.

وتتمتع مافيات توظيف العمال الأجانب بنفوذ هائل توارثته عبر أجيال. ويرزح ما تصل نسبته إلى 69% من المهاجرين الباكستانيين تحت وطأة مديونية ناتجة عن المبالغ الكبيرة التي دفعوها لهذه المافيات مقابل إدراج أسمائهم على لوائح السفر، حيث يتعين على كل الشخص الواحد أن يدفع مبلغ يقارب 4300 دولار أميركي ليتمكن من السفر إلى المملكة العربية السعودية على سبيل المثال.

وبذلك، يقبع المهاجرون والمهاجرات تحت ضغط ثلاثي الأطراف، فمن جهة يفوضون وكالات التوظيف أمرهم، فتتحكم بهم؛ ومن جهة ثانية يقبعون تحت وطأة الديون، ومن جهة ثالثة يتوجب عليهم أن يثبتوا لعائلاتهم التي تركوها خلفهم في الوطن بأنهم لن يخذلوهم أو يخيبوا آمالهم في انتشالهم من الفقر.

ولا يمكن إرجاع هذا الضغط النفسي [الذي يرزح تحته العمال الوافدون] إلى الظروف السائدة في البلد المضيف فحسب، وإنما أيضًا إلى نظام الهجرة الذي تسيطر عليه شبكات إجرامية عمومًا.

فمن أجل تحسين ظروف الهجرة بصورة مستدامة يجب إصلاح أوضاع العمال الوافدين عبر إلغاء نظام الكفالة في جميع دول الخليج، كما يتوجب بالإضافة إلى ذلك ضبط تدفق العمال الوافدين بصورة أفضل، بما يمكن حمايتهم وعائلاتهم من الاستغلال.

كما يتطلب الأمر أيضًا مساعدة الدول المصدرة لليد العاملة بما يخفف من ضغط الهجرة، وذلك عبر دعم التنمية الاقتصادية في هذه البلدان وتحطيم نفوذ وكالات التوظيف مرة واحدة وإلى الأبد.

وقد تسببت الآثار الخطيرة لجائحة كورونا في تفاقم الأزمات الاقتصادية في الدول المصدرة لليد العاملة على نحو كبير، وهذا ما يرجح زيادة الضغط باتجاه الهجرة مستقبلًا، في الوقت الذي تعمل فيه دول الخليج على تقليص عدد العمال الوافدين على المدى الطويل وزيادة الاعتماد على اليد العاملة المحلية. ولكسر هذه الحلقة المفرغة، فإن المسألة تتطلب شيئاً أكبر من مجرد توجيه انتقادات لقطر.

 

 

ضرورة خلق حوار بنّاء شامل

إذ يحتاج الأمر خلق حوار بنّاء وشامل يتم فيه توحيد جهود المنظمات الدولية، مثل منظمة العمل الدولية، مع جميع دول الخليج والجهات الفاعلة في المجتمع المدني في البلدان المصدرة لليد العاملة وفي أوروبا. وقد ازداد استعداد عدة دول خليجية للمشاركة في مثل هذه اللقاءات في السنوات الأخيرة، وهذا ما أظهره منتدى "حوار أبو ظبي" على سبيل المثال.

وهذه المنتديات ليست إلا خطوة البداية على الطريق الصحيح. كما يتطلب الأمر وعياً أكبر بالمسؤولية من قبل دول الخليج والمجتمع الدولي، ليس فقط فيما يتعلق بوضع العمال الوافدين في البلدان المضيفة، وإنما أيضًا في البلدان المصدرة لليد العاملة.

كما ينبغي بذل جهود أكبر لإدماج ممثلي مجتمعات الشتات في هذه الحوارات، فحقوقهم في نهاية المطاف هي ما يتوجب حمايته بطريقة لا تقف عند الحدود الوطنية بين البلدان. ويتطلب تحقيق ذلك إجراء حوار بنّاء يجمع كل الشركاء، فالانتقاد الأحادي البعد لا يحقق أيّ تقدم، بل يقود إلى تعميق الخلافات.

 

سيبستيان زونس

ترجمة: حسام الحسون

حقوق النشر: موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

د. سيبستيان زونس باحث وخبير في شؤون دول الخليج العربية في معهد كاربو للأبحاث في مدينة بون الألمانية. وقد نال الدكتوراه عن هجرة العمالة الباكستانية إلى المملكة العربية السعودية، وهو مؤلف كتاب "بُنِيَ على الرمال: المملكة العربية السعودية - الحليف الإشكالي"، الصادر في برلين، عن دار النشر بروبيلاين، عام 2016.

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة