دور عميد الأدب العربي في تنوير العالم العربي

طه حسين ورسالة التنوير العربي - الشك طريق اليقين

"الواقع العربي المتردي يفرض اليوم تنويرا جديدا بل ثورة فكرية تغير واقعنا وتتجاوز المحاولات التأسيسية للرواد بمن فيهم طه حسين نفسه. فما أحوج أمتنا إلى ثورة ثانية ... لنشرف على الحياة فنشبع من هوائها ومائها وسمائها ووحلها، فقد طال بنا الأمد في مغارات التاريخ وكأننا ما بقي متحجرا من كائناتها البائدة". الكاتب الجزائري إبراهيم مشارة يسلط الضوء لموقع قنطرة على دور عميد الأدب العربي في تنوير العالم العربي فكريا وسياسيا.

أيها الأزهري، يا سارق النار

ويا كاسرا حدود الثـــــواني

عد إلينا، فإن عصرك عصر

عصر ذهبي ونحن عصر ثان

اِرمِ نظارتيك ما أنت أعمى

إنما نحن جوقة العميــــــان

سقط الفكر في النفاق السيـاسي

وصار الأديب كالبهلـــــوان

يتعاطى التبخير، يحترف الرقص

ويدعو بالنصر للسلطــــان

من شعر نزار قباني في رثاء طه حسين

 

احتل عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين (1889 - 1973) مركز الصدارة في العالم العربي في القرن العشرين، فقد كان بحق مالئ الدنيا وشاغل الناس. ويرجع ذلك لأسباب عدة لعل أهمها أنه هتك حجب الممنوع وأشرف على مساحات في الوعي العربي ظلت من المسلَّمات أو المسكوت عنها تحت هيمنة السلطتين السياسية والدينية، وهما تسوغان ما يحفظ مصالحهما البحتة، إضافة إلى قدرة لا حدود لها على المواجهة والمناورة بأسلوب ساحر مشوق يجمع بين عمق الفكرة ونصاعة البيان وقدرة على حشد الأشياع والمريدين.

لقد كان العميد سليلا شرعيا للشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (1801 - 1873) الشيخ الأزهري الآخر الذي بث بتعبير الدكتور لويس عوض (1914 - 1990) أقوى لغم من ألغام الديمقراطية الليبرالية في مصر أولا وفي العالم العربي ثانيا، فقد كانت مصر السباقة إلى كل جديد.

ولا شك أن الدكتور طه حسين قد وجد المناخ مهيأ لاحتضان الفكر الجديد، فكر التنوير والحداثة التي تعني فتح المجال أمام العقل الإنساني للمغامرة والبحث والاكتشاف بِحُرِيَّة، وغني عن البيان أن الحداثة في صميمها إنسانية المنطلق والمنتهى.

وما كان أشد حاجة العالم العربي إلى ثورة فكرية وإعصار شامل يجتث جذور التقليد! ويحسب لمحمد علي باشا (1769 - 1849) وإلى مصر طموحه النهضوي وإدراكه أن الاحتكاك بأوروبا والأخذ عنها عن طريق البعثات العلمية التي تدرس العلم والأدب وتترجم روائع الفكر وتنقل فنون التمدن سوف يجعل ذلك من مصر بلدا متطورا يسير في طريق التقدم ويبشر بميلاد جيل جديد لا يتنكر للماضي ولا يسرف في تمجيده ولا يغض الطرف عن إنجازات الحاضر في مضمار الثقافة والعلوم والتمدن في الغرب. 

وقد كان من رواد ذلك الجيل الشيخ حسن العطار (1766 - 1834) شيخ الطهطاوي الذي اقترحه إماما للبعثة التي أرسلها محمد علي للدراسة في فرنسا، ثم علي مبارك (1823 - 1893) صاحب الخطط التوفيقية الذي أعاد تنظيم القاهرة الحديثة فشق ميادينها وشوارعها الفسيحة تماما كما فعل البارون هوسمان في تنظيم وتنسيق باريس الحديثة، وخير الدين التونسي (1810 - 1890) وغيرهم.

العميد يسجل مظاهر الجمود

ثم أنه من الخطأ الفادح اعتبار الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798 شرا مستطيرا، حقا قد كان نابليون بونابرت يهدف فيما يهدف إليه زيادة على الأمجاد العسكرية وضع اليد على التراث المصري وفي صميم ذلك الحضارة الفرعونية المغلفة بحجب الأسرار وما يمكن أن تضيفه كنوزها إلى متاحف فرنسا ودور العلم فيها، ويمكن الآن أن نفهم الدور الذي لعبه العالم شامبليون (1790 - 1832) حين فك رموز اللغة المصرية القديمة ومكن الإنسانية جمعاء من قراءة وفهم الحضارة المصرية القديمة.

لقد كشفت هذه الحملة للعالم العربي عمق الهوة الفاصلة بين الشرق والغرب، الشرق النائم والخانع،المسلوب الإرادة والمقلد، المغمض عينيه عن عجائب الطبيعة المكنونة والحارم خلاياه من التجدد في رحاب الطبيعة والزمان. الشرق الذي أعطى عمره الفاني للميتافيزيقا والذي اختزل العلم في الجانب الفقهي البحت حتى انتهت إليه القدرة في استنسال الكلام من الكلام في شكل متون وحواشي وتعليقات، وقد كانت حلقة الأزهريين في ذلك الوقت تتساءل عن اسم نابليون أهو مُعْرَب أم مَبنيّ؟

وشجعه الاستبداد السياسي والانصراف عن الطبيعة -الفانية- إلى الولوع بالتصوف كصيغة نهائية لتطليق الزمان والمكان، عوض الاندغام فيهما، وفي الجهة المقابلة يتطاول المارد الغربي -عاصب الغيم على المفرق- في صحة وشباب وقد نفض غبار القرون الوسطى عن عينيه مقتحما السماوات والأرضين باحثا ومنقبا ومروضا عنفوان الطبيعة، محققا الصيغة الإنسانية للحضارة بعد أن عاش أحقابا طويلة في سراديب النص المقدس التي نفاه إليها رجال الإكليروس.

 

 
 
ولقد سجل الشيخ عبد الرحمن الجبرتي (1754 - 1822) راوية النهضة والشاهد على وقائع الحملة الفرنسية عن جرأة العادات الاجتماعية الغربية والنساء الفرنسيات الساخرات المنطلقات في الشوارع وتحدث عن المسرح والمطابع والتجارب الكيميائية العجيبة.

وهاهو العميد يسجل بقلمه السلس وأسلوبه الرائع مظاهر الجمود والتخلف في رائعته "الأيام" والتي تكتسي أهمية عظمى في توثيق الحياة الاجتماعية والسياسية لمصر في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وإذا كان الطهطاوي قد سجل مشاهدات وانطباعات شرقي يعيش في باريس في الثلث الأول من القرن التاسع عشر في "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، أصبح ذلك الكتاب ضياء تنبلج به الأصباح وجسرا للتواصل الحميم بين الشرق والغرب، تماما كما أصبحت سيرة طه حسين الذاتية جزءها الثاني.

لا مرية أن عميد الأدب العربي مدين في مشواره العلمي لمبادرة محمد علي باشا ولبعثاته العلمية التي أثمرت في النهاية الجامعة المصرية الحديثة يعلم فيها المستشرقون ولفيف من أبناء مصر الذين تعلموا في أوروبا تعليما حديثا كأحمد لطفي السيد -مترجم فن الشعر لأرسطو إلى اللغة العربية- الذي اكتشف مواهب طه حسين وطموحه، فيسر له بعد ذلك السفر إلى فرنسا للاستزادة من العلم وتوجت تلك الجهود بشهادة الدكتوراه عن الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون.

تمرد ثم ثورة على العلم الأزهري 

إن قارئ "الأيام" لا شك تأخذه تلك الأجواء الحزينة والتي برع الكاتب في رسم أجوائها الحزينة في قريته عزبة الكيلو في إقليم المنيا في صعيد مصر وهي أجواء كانت تميز كل الأقاليم العربية، فالأسرة كثيرة العدد والفقر مدقع والدخل محدود والمرأة ملفوفة في وشاح الجهالة صامتة كأنها جلمود صخر وقد نظر لصمتها بمراسيم فقهية وأفظع من ذلك الحلاق الذي يمتهن التطبيب فيذهب بنور العينين إلى الأبد.

ولعل المنطلق في التغيير هو التعليم ولعل الداء في التعليم أيضا. إن التعليم غير الصحيح، غير المنسجم مع الواقع وتغيراته والذي يكتفي من الإرث الإنساني ومن الكون برمته بالمتون حفظا واستظهارا وبالشروح والحواشي والتعليقات دراسة سينتهي بصاحبه إلى شل قدراته العقلية وإبادة كل مظاهر الحيوية والديناميكية في خلاياه لينتهي جثة محنطة تدعي الحياة وما هي بحية.

ولا عجب في أن يجد الشاب الأزهري طه حسين مللا وفتورا وهو يتردد على حلقات الشيوخ الأزهريين وأن ينتهي به المطاف إلى التمرد ثم الثورة على العلم الأزهري والحملة الشعواء عليه في عبارته الشهيرة "لا بد من هدم قرطاجنة".

لقد تنسم الفتى نسائم جديدة في الجامعة المصرية وسمع بآداب ما أتيح له أن يسمع بها من قبل وبعلوم لا يعرفها الأزهريون قط، وكلها توسع الأفق وتهذب الذوق وتفتح العقل على ثمار الحضارة لينقل جرثومة النماء إلى الجامعة معلما أدبا ليس كما عرفه السلف على أنه الأخذ من كل شيء بطرف، وأن أصوله بيان الجاحظ وأمالي القالي وأدب ابن قتيبة وخزانة البغدادي ولكن من حيث كونه إنتاجا عاكسا للتاريخ في صيرورته وللبيئة ومعطياتها المتغيرة ملقيا على مسامع الطلبة أسماء جديدة كتين وبوالو وغيرهما.

الشك طريق إلى اليقين

وإذا كان الشك طريقا إلى اليقين فما أحوجنا -نحن العرب- إلى هذا المبدأ. إن إعجاب طه حسين بأبي العلاء ليس لاشتراكهما في آفة واحدة ولكن لأن أبا العلاء عبر في لزومياته عن مبدأ الشك هذا قبل ديكارت وأمعن فكره الثاقب في الثابت والمتحول وفي عالم الغيب وعالم الشهادة:

 

في اللاذقية قتنــه

مابين أحمد والمسيح

هذا بناقوس يدقـق 

وذا بمئذنة يصيح

كل يعزز دينــه

ليت شعري ما الصحيح؟

 

وهو يؤكد على حقيقة الشك الذي هو طريق إلى اليقين حين يقول:

 

أثبت لي خالقا حكيما

ولست من معشر نفاة

 

 
 
نحن في أمس الحاجة إلى أن نشك في تراثنا الشعري القديم في غياب التدوين وانتشار الأمية في ذلك الوقت وظهور التنافس السياسي والمطامع الشخصية في الأحزاب السياسية التي دفعت إلى التقول على الشعراء ما لم يقولوه دفعا لضرر أو جلبا لمصلحة، وحتى الحديث النبوي لم يسلم من ذلك فما أكثر ما تقول الناس على الرسول الكريم ما لم يقله!

من الخطأ تقديسُ شرحِ النصِّ المقدس

ثم إن التسليم بأن ذلك التراث الشعري صحيح برمته ضرب من الخبل ومجافاة لحقائق التاريخ ومنطق العلم، ومن المغالاة في الخطأ تقديس ما تناول بالشرح النص المقدس، إذ أنه جهد بشري في فهم النص يحتمل الخطأ أو جزء منه أو يحتمل الصواب أو نصيبا منه.

لقد سبب ذلك تخلف العالم العربي فالجوهر الذي يحتل حيزا ضيقا حين تمظهر في الفهم والممارسة صار بلا حدود وما المظهر إلا الفهم والممارسة، لكنهما اكتسيا طابع المعيارية والإطلاق والسرمدية، وبذلك انتفت مبادئ الاختلاف والتعددية والنسبية وقضية المرأة أحد التجليات لهذه المعضلة التي قصمت ظهور الأوائل والأواخر.

نضال فكري تنويري 

لقد كان طه حسين مدركا لنشر كتاب عن الشعر الجاهلي في ظل وجود سلطة دينية وصية على النص لها شرعيتها التاريخية في اللاوعي الجمعي المقهور والذي يعني رهابا وفصاما وهي يمكنها بجرة قلم تكفير رأي أو إهدار دم، ولكن لا مفر من نشر الوعي وبذر بذور الفكر العلمي واحتمال الأذى بصبر وأناة ولقد كانت تجربة مريرة أن يعزل الكاتب من منصبه ويحاصر في بيته ويعير بعاهته. ونظرا لقوة التحالف القائم بين السلطتين السياسية والدينية وإدراكهما للخطر المحدق بهما نتيجة بذر بذور التجديد والتغيير والاختلاف والشك الذي هو طريق إلى اليقين اضطر الكاتب إلى حذف فقرات أسخطت الساخطين عليه وهيجت المتظاهرين ولكن لا تراجع عن الكتاب وعن مبدأ الشك.

وكأن الكاتب يقدم مثلا للمناورة حين يقول الكاتب لا وهو يريد نعم، وحين يتظاهر بالعدول عن موقفه -لا جبنا- ولكن حفاظا على الحياة لمزيد من العطاء والمقارعة، ولقد اضطر جاليليو إلى التظاهر بالعدول عن فكرته في القول بدوران الأرض أمام محكمة التفتيش حفاظا على حياته وعلى استمرار البحث، وأوصى كوبرنيكوس بنشر كتابه عن الهليوسنترزم (مركزية الشمس) بعد وفاته، أما جيوردانو برونو فالحرن على أفكاره قاده إلى الموت حرقا وهو نفس الخطأ الذي ارتكبه سقراط لما جاءه تلاميذه يعرضون عليه الهرب فأبى مكتفيا بالقول إن القانون الذي حماه بالأمس مواطنا يحميه هو اليوم مذنبا.

تُرَى لو لم يفعل ذلك طه حسين أكان علي عبد الرازق يجرؤ على نشر “الإسلام وأصول الحكم” وزكي نجيب محمود “المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري” وحسين أحمد أمين “دليل المسلم الحزين”؟ وصولا إلى محمد أركون والطيب تيزيني وعبد الله العروي وبرهان غليون وغيرهم.

وحين تولى طه حسين وزارة التعليم أعطى المثل حين يمارس المثقف قناعاته ونضاله الفكري والتنويري فقد دافع عن مجانية التعليم مطلقا عبارته الشهيرة “التعليم كالماء والهواء” أي مجاني مما جعل خصومه -وما أكثرهم- يطلقون عليه لقب “وزير الماء والهواء”!

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة