لقد خاض الكاتب الكبير معارك ضارية مدافعا عن رسالة التجديد ومبدأ ”الأدب للحياة” واكتست تلك المواجهات على صفحات الجرائد السيارة طابع الشراسة -حد الألفاظ النابية- خاصة مع الرافعي- شيخ المحافظين- حتى أن الرافعي تهكم من طه وكتابه عن الشعر الجاهلي في مقولته الشهيرة: ”إسفنجه جاءت لشرب البحر وشمعة تتصدى لشمس الظهر وطه في نقد الشعر”، فرد عليه طه حسين بقوله أن الرافعي حين يشرع في الكتابة يقاسي آلام الوضع، إشارة إلى التكلف.

 

 

ولا تكتمل رسالة التنوير إلا بمد جسور مع الفكر العالمي في صيغتيه التاريخية والحديثة عبر تعريب روائع الفكر الإنساني ولقد كان المفكر الكبير مدركا لقيمة الفكر والأدب اليونانيين فعرف القارئ العربي بهما في نظام الأثينيين ومسرحيات سوفوكليس، وأما الحديثة فترجمات لمسرحيات فرنسية ذائعة. فلا مستقبل لأمة تغمض عينيها عن ثمرات الفكر والأدب، ثم عاد إلى تأكيد هذا المبدأ في “مستقبل الثقافة في مصر”: هو أن نأخذ من الحضارة خيرها وشرها حلوها ومرها، ما يحب منها وما يكره وما يحمد منها وما يعاب ”وسوف يؤكد على بعدين أساسيين في نهضة مصر الحديثة أولهما البعد الفرعوني وثانيهما المتوسطي، فمصر تشرف على البحر الأبيض وتربطها بأوربا وشائج من القرابة التجارية والفكرية والجغرافية: أَوَلَمْ يتجسد هذا التقارب في عصر البطالسة حين كانت الإسكندرية قطب العالم المتنور المتحضر المبدع؟

لكن طه حسين لم يقبل قط بفك الرابطة مع العالم العربي وهو رئيس مجمع اللغة العربية وسفير العالم العربي إلى الإنسانية قاطبة، ليس في دعوته غلوٌّ كما في دعوة سلامة موسى بالأمس وأحمد رجب اليوم حين يدعو إلى جمهورية مصر الفرعونية مجافيا منطق التاريخ والجغرافيا معا، ولا كان متنصلا من قيم الإسلام وقد كتب روائع لعل أهما “على هامش السيرة، ومرآة الإسلام، والفتنة الكبرى، والوعد الحق والشيخان”.

ولا يكتمل التنوير الفكري بغير تنوير سياسي ولقد انخرط الكاتب في حزب الأحرار الدستوريين الذي أسسه عدلي يكن، ويمكن القول إنه تأثير فكر الثورة الفرنسية ومبادئ حقوق الإنسان التي سيطرت على عقول منخرطيه. وقد نور الطهطاوي عقول مثقفي ذلك العصر بترجمة القانون الدستوري الذي نشره جيزو وزير التعليم في حكومة الملك لويس فليب، وأهما الترويج للفلسفة السياسية التي كان يستند إليها ومن ركائزها صيانة الحقوق والحريات الفردية وإقامة نظام نيابي برلماني حر وصيانة الحرية في الحياة الشخصية والاعتقاد والاختلاف والتعبير عن الرأي بكل الطرق الممكنة، ومن ضمنها حرية الملكية التي لا تقل احتراما عن حرية التفكير التي تصونها السلطة القضائية والعدل الذي هو أساس العمران والشورى اللازمة للحاكم وتدبير الدولة الحديثة.

وأخيرا ماذا يبقى من طه حسين للقرن الحادي والعشرين وللمستقبل العربي؟

من المؤسف أن الأمة العربية تسجل تراجعا في التبشير بفلسفة الأنوار والسعي إلى دولتها والعيش في حماها، وكأن هذا العصر الرقمي زاد من سذاجتنا وغفلتنا فازددنا تعلقا بالقشور على حساب اللباب وبالرماد على حساب الوهج، وبالأمس على حساب اليوم وبالحزن على حساب الفرح. وانظر إلى قضية المرأة كأنها لم تبرح مكانها منذ كتابات قاسم أمين، واليوم يطلع علينا من يفتي بأن صوتها عورة ناهيك عن كشف وجهها وخوضها في شؤون الفكر ومعترك السياسة، وانظر إلى قضية الاستبداد تجدها معضلة المعضلات لم تجد نهايتها في طبائع الاستبداد ومصارع الاستبداد للكواكبي، واليوم يَحُفُّ بالحاكم لفيف من أدعياء الفكر يسبحون بحمده بكرة وعشيا فيزيدون من تخلف القطعان البشرية. وأين العلم الذي بشر به فرح أنطوان وشبلي شميل ويعقوب صروف فما عاد إلا علم الإعجاز القرآني، وكلما طلع علينا الغرب بنظرية قلنا لها سوابق في الكتاب الكريم!

إن الواقع العربي المتردي يفرض اليوم تنويرا جديدا بل ثورة فكرية تغير واقعنا وتتجاوز المحاولات التأسيسية للرواد بمن فيهم طه حسين نفسه.

 

 

إن هذه الطفرة التنويرية هي من قبل الثورة التي دعا إليها الدكتور حسن حنفي في “قراءة عربية للنهضة الأوربية”: أما عصر النهضة العربية فقد آثر قراءة انتقائية للنهضة الأوربية تتفق مع الموروث القديم دون أن تتخلص منه واكتفى بالتلميع للقديم نفضا للتراب والصدأ عنه وكان أقصى طموح للإصلاح الملكية المقيدة بالدستور دون تقويض جذري للنظم الثيوقراطية والإقطاعية والملكية بالرغم من ثورات العرب الحديثة وكتاباتهم في طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. ظل الإيمان بالقديم قائما وكل من شك فيه تم تكفيره حتى ولو كان في الشعر العربي وقضية الانتحال أو في الحوامل الزمانية والمكانية واللغوية والإنسانية للوحي في فهم النص الديني استدراكا على أسباب النزول والناسخ والمنسوخ.

فما أحوج أمتنا إلى ثورة ثانية تغسل ما بها من درن وركود وتقليد تحت غطاء العلم وخنوع تحت ستار الطاعة، وعزوف عن الحياة بحجة الزهد في الدار الفانية، وجبن عن اقتحام المجاهل حتى الموت حتف الأنف لنشرف على الحياة فنشبع من هوائها ومائها وسمائها ووحلها، فقد طال بنا الأمد في مغارات التاريخ وكأننا ما بقي متحجرا من كائناتها البائدة.

 

إبراهيم مشارة

حقوق النشر: إبراهيم مشارة / موقع قنطرة 2020

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة