فازت منظمة "الخوذ البيضاء" السورية، التي تساعد ضحايا الحرب المدنيين، بـ"جائزة نوبل البديلة"، الصورة: رويترز
"جائزة نوبل البديلة": تعمل مجموعة "الخوذ البيضاء" التي تنفذ عمليات إنقاذ بشكل تطوعي في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في سوريا وتأسست في 2013.

من يستحق أن نكتب عنه؟

هؤلاء يستحقّون أن نكتب عنهم، ونروي قصصهم وشجاعتهم النادرة. وفي محاولة لإنصافهم، قرّرت أن أكتب قصص من أقابله منهم في بيروت القريبة جدا من دمشق والبعيدة إلى حد لا يطاق في الوقت ذاته. التقيت بالعديد منهم واستمعت إلى تلك اليوميات المذهلة بمعناها وبقيمها الأخلاقية وبوعيها المبكّر.

نشرت قصصا عن نساء شاهدن بيوتهن تنهار تحت البراميل ونظرن في أعين أزواجهن القتلى في المظاهرات أو تحت التعذيب. كتبت عن شباب عاشوا تجربة الموت وهم أحياء يتنفّسون بعيون مفتوحة على اتّساعها، في فرع أمني يطلق عليه «فرع الموت والجنون». خرجوا منه بأعجوبة، تنهشهم الأمراض الجلدية والصدرية من إقامتهم القصيرة في غرفة تتسع لأربعة أشخاص، يدحشون فيها العشرات، يشهدون تفسّخ أجساد بعضهم البعض، يشمّون رائحة العفن تتبخّر من جروح نتئة والتهابات عميقة. هناك حيث يتمنّون موت بعضهم البعض، لكي يحصلوا على كمشة إضافية من الهواء وعلى حصة غذائية أخرى

نعم لقد كتبت عنهم ونشرت قصصهم ثم توقفت فجأة وسؤال عميق يلوح أمامي على شاشة الكومبيوتر. إنني أكتب عن أبطال مجهولي الهوية، فأسرق منهم بطولاتهم وأتحوّل إلى بطلة كاذبة مدّعية. من هذا المكان تحديدا، ينبت العجز وتصبح له عينان ويدان وقدمان، يمسك بي ويكبّل خيالي. أيّ خيال هذا أمام هذه القصص التي كنا نعتقد لفترة قريبة أنها تكتب فقط في الروايات وتمثّل في أفلام الخيال العلمي

ثمة ثنائية غرائبية تخرج أيضا من ذلك العجز عن الكتابة الأدبية الذاتية. كنت قبل الثورة، ألوذ بالخيال لأعيش واقعا مريرا ومحبطا وبائسا. كنت أبحث في الخيال عن كينونتي لأحتمي بها وأتنفّس. بعد الثورة، بات ذلك الخيال هو الواقع. أي أن العالم الذي كنت أخلقه في الكتابة وأستمتع بالعيش فيه، بات هو الواقع، فعن أي خيال سأبحث الآن وعن أي أحلام. اختلطت الأمور وبات الخيال منطقة معطلة لا تخلو من الادّعاء أمام هول ما يحدث أمام أعيننا. تفوّق الواقع على الخيال وعبث بالمدى الذي يعمل الذهن البشري حثيثا للوصول إليه.

ثمة ارتباك يصيب العقل والذاكرة، إذ ماذا نكتب وعمّن نكتب وإلى من نكتب؟ تلك الأسئلة لم تكن مطروحة قبل الثورة، بالنسبة لي على الأقل. لأننا كنا نعيش استقرارا، مهما كان ذلك الاستقرار سلبيا ومرهقا وواهما. إلا أنه استقرار، تتحول الكتابة فيه إلى تمرّد ممتع وخروج عن المألوف ومحاولة للتمايز عن المحيط وعن دورة الحياة اليومية الروتينية والطقوس والتقاليد والمحرّمات.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.