مظاهرات في كفرنيل ضد نظلم الأسد الصورة رويترز وشبطة شام
ديمة ونوس: "خرجوا عراة الصدور، غير مبالين بمصير أرواحهم. خرجوا عنّا وعنهم وعن كل سوري مقموع يحلم بالحرية والديمقراطية والتعدّدية السياسية والكرامة. في خروجهم من البيوت إلى الشارع، وفي صرختهم الموجعة، ثمة إحباط للأدب ولمهمّته المفترضة كأداة تغيير".

كيف نكتب عما يحدث ونحن خارج الفعل؟

اليوم، كيف يمكن للكتابة أن تكون كل تلك الأشياء معا. على أي واقع ستتمّرد الكتابة وعشرات السوريين يموتون يوميا تحت القصف والبراميل وفي أقبية السجون وفي مخيّمات اللجوء من البرد والجوع والدمار النفسي والمادي الذي لحق بملايين الناس. وهل تستوي اليوم مشاعر الكاتب مع مشاعر السوريين المنكوبين الذين يعيشون موتهم كل لحظة، ويحملون أرواحهم في صدورهم المخنوقة؟ هل تستوي المعاناة والألم والوجع؟ وإن افترضنا أن الكاتب يحتمي بفكرة الواجب الأخلاقي الذي تفرضه مهنته عليه، وهو الكتابة عن معاناة الناس ونقل أوجاعهم وهواجسهم، فالحال أن ما يحدث هو العكس تماما. سوريو الداخل واللاجئون والمهجّرون هم من ينقلون معاناة كل السوريين، كتّابا كانوا أو مبدعين أو مغمورين

صور القتلى تحت التعذيب التي سرّبتها قبل عام تقريبا محطة الـ «سي إن إن» الأميركية وصحيفة «الغارديان» البريطانية، هي التي تنقل صورة الواقع كما هو بلا إضافة أو مبالغة. لقد تبادلنا الأدوار. معظم الكتاب السوريين يعيشون اليوم خارج الحدود، وينعمون بحدّ أدنى من الشروط المعيشية، يسكنون بيوتا مهما كانت صغيرة، يظلّلهم سقف غير مهدّد بالقصف والانهيار على رؤوسهم في أي لحظة. معظم المثقفين والنخبة لا تشهد عن كثب ما يحدث في بلدها، فكيف لها أن تكتب عما يحدث! وهل من العدالة، سرقة قصص أولئك الأبطال والكتابة عنها في المقهى أو البيت، وذرف الدموع، ثم العودة إلى الحياة «الطبيعية» التي يعيشها معظمنا؟ 

حتى على صعيد السينما السورية، شاهدنا تجارب كثيرة لمخرجين موهوبين ومرموقين يعيشون خارج سورية منذ الأشهر الأولى من الثورة، صنعوا أفلاما وصلت إلى المنصّات العالمية الأنيقة، وحصدت جوائز، من دون أن يكون المخرج قد صوّر فيلمه في سورية المحرّرة مثلا! صنع فيلمه من البلد الذي لجأ إليه. وتلك الأفلام تقوم إما على شهادات أشخاص هربوا من تحت الدمار والقصف ولجأوا، أو على تجميع مقاطع من «اليوتيوب» قام نشطاء غير محترفين (ما يسمّى بالصحافي المواطن) بتصويرها وتسريبها لوسائل الإعلام العربية والعالمية لتصل إلى أكبر عدد ممكن من المشاهدين وصنّاع القرار. وفي هذا الفعل أيضا، أنانية مفرطة. إذ إن أولئك النشطاء، وهم الأبطال الفعليون، يدفعون ثمن بقائهم ويعرّضون أنفسهم للمخاطر، لا يجرؤون على البوح بأسمائهم الحقيقية! مما يحرمهم حقهم في الظهور واستعراض أعمالهم، وفي المقابل، يستخدم مخرجون خارج الحدود تلك المقاطع فيجولون بها العالم والمهرجانات ويحتفى بهم وبأفلامهم.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.