ديمة ونوس: الكتابة تذكّر بالأنا وبالوجود وبالكيان وتساعد على خلق هوية في مكان لا وجود فيه للهويات المستقلة.
ديمة ونوس: الكتابة تذكّر بالأنا وبالوجود وبالكيان وتساعد على خلق هوية في مكان لا وجود فيه للهويات المستقلة.

"الفيسبوك" يغيّر مفاهيم الكتابة الإبداعية

بالعودة إلى فعل الكتابة، ثمة نقطة مهمة للغاية وجوهرية تتمثل في وسائل التواصل الاجتماعي. «الفيسبوك» مثلا غيّر خلال سنوات الثورة الأربع، مفاهيم عديدة كانت لصيقة بفعل الكتابة الإبداعية. يتجلّى التغيير الأول، بسرعة وصول المعلومة وما تحمله تلك السرعة من إرهاق ذهني وتراكمات لمعلومات متضاربة بعضها صحيح والكثير منها ينتمي إلى التمنّيات والأحلام الجيّاشة. الكل لديه معلومة والكل لديه ما يدلي به من تصريح أو حكاية أو تجربة تخصّه أو تخصّ غيره

إضافة إلى أن الذاتي طغى على العام وطاف عليه. مع تراكمات الإحباط واليأس وخفوت الأمل، بات ذلك العالم الافتراضي مكانا للبوح الذاتي والخلافات الشخصية وتبادل وجهات النظر الضيقة، بدلا من أن يكون ساحة نقاش عام ومُجدٍ يبحث في حلول مستقبلية عن عيش مشترك تتعذّر ملامحه يوما بعد يوم. وهنا أتحدث طبعا عن صفحات السوريين على «الفيسبوك» من كتّاب ومبدعين ومثقفين ومنخرطين في الشأن العام. أيضا لا يمكن المرور على موضوع اللغة بشكل عابر.

طرأت على اللغة تغييرات عميقة من حيث شكل المفردة وجمالية العبارة والاقتضاب بدل الاسترسال. باتت لغة الكثير من المثقفين عامة بدل أن تصبح لغة العامة لغة أدبية. وذلك يعود للهوة التي فصلت لأربعين سنة مضت بين النخبة المحدودة العدد والشارع المهول والقوي والحاضر أكثر بكثير من القلة المثقفة. مما اضطر النخبة لتقديم تنازلات على صعيد اللغة في محاولة متأخرة للوصول إلى الناس الذين يغزون صفحات التواصل الاجتماعي أكثر من أي وقت مضى

استبدلت العربية الفصحى بالعامية من جهة، كما تسللت إليها كلمات عامية غير لائقة في كثير من الأحيان، تفتقر إلى الذائقة والتهذيب وأصول الكتابة الإبداعية أو الأدبية. من هنا، يحضر السؤال: أي أدب ستنتجه هذه الثورة بعد سنوات طويلة؟ وأي نوع من الكتابة ضروري اليوم؟ هل الكتابة الأدبية الرفيعة أم اليوميات المكتوبة بلغة عامية قريبة من الناس وغير متعالية عليهم؟ وهل يمكن لهذا النوع من الكتابة العامة أن تشكل تراكما في المستقبل أو إرثا يرجع إليه الباحثون والأكاديميون؟ 

باختصار، أجد نفسي عاجزة عن الكتابة وخيالي معطّل. إنني أكتفي بالتأمل ومحاولة استيعاب ما يحدث. ألهث في متابعة الأخبار والقصص والتجارب القاسية والمضنية التي يعيشها معظم السوريين. والمعظم هنا، أنا لا أنتمي إليه ولا أجرؤ على ادّعاء ذلك الانتماء.

لن أكتب عن أشخاص لا أعيش بينهم ولا ألامس حدود خوفهم ولا أسمع ما يسمعونه من أصوات القصف أو نشيج البكاء أو الصراخ من العدم الذي يعيشونه. لن أكتب عن بلد لا أزوره منذ أكثر من عام. صحيح أنني لا أزوره مكرهة، بعد أن منعت من ذلك لكن الخيال هنا يبدو غير منصف. لا أقوى على تخيّل آلام الغير والكتابة عنها في الوقت الذي اخترت فيه الخروج وكان بإمكاني التضحية بإبني وعائلتي والبقاء رغما عن الخوف والقلق.

أعرف أن ما أقوله قاسٍ ربما وقد ينتمي إلى جلد الذات، لكنني مصرّة على الاستسلام لخيالي المعطّل طالما أنني بعيدة وطالما أن كتابتي ستكون خيالا وليس واقعا معاشا تفوح منه رائحة الموت والخوف وسحب الدخان الممدة فوق سورية المنكوبة والمحاصرة والمحتلة من أكثر من عدوّ وأكثر من طرف سياسي أو إسلامي متطرّف

سأبحث طويلا عن فسحة أخرى للعيش خارج الكتابة، ريثما أستطيع العودة إلى حيث أنتمي وإلى حيث تتوق روحي للنوم.

 

ديمة ونوس

ديمة ونوس كاتبة وصحفية سورية، ترجمت مجموعتها القصصية «تفاصيل» إلى اللغة الألمانية

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
حزيران / يونيو 2016

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.