ذعر عربي من احتمالات الانفجار في المملكة الهاشمية

غير أن المفاجأة الأردنية حملت في داخلها مؤشراً جدياً على الاستقبال الشعبي العربي الذي ينتظر «صفقة القرن»، فالاعتراض هذه المرة، يختلف جذرياً عن اعتراضات الماضي، وذلك لسببين:

الأول: هو انهيار أي أفق عربي شامل يمكن الاستناد إليه في مواجهة القرار الأمريكي بتصفية القضية الفلسطينية.

والثاني: هو أن قرار التصفية هذا تحمله القوة الرئيسية على المستوى الاقتصادي في المنطقة، أي التحالف السعودي- الإماراتي، الذي يبدو أنه وصل إلى نقطة اللاعودة في ارتباطه بالمشروع الأمريكي- الإسرائيلي.

مساعدات خليجية وأوروبية لإخراج الأردن من نفق الأزمة
قدّمت السعودية والإمارات والكويت مساعدات بقيمة 2,5 مليار دولار للمملكة الأردنية "انطلاقاً من الروابط الأخوية الوثيقة بين الدول الأربع (...) تم الاتفاق على قيام الدول الثلاث بتقديم حزمة من المساعدات الاقتصادية للأردن يصل إجمالي مبالغها إلى مليارين وخمسمائة مليون دولار أميركي". بيد أن لوري بوغهارت من معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى تقول إن "السرعة وحجم الاستجابة التي تقوم بها دول الخليج دليل واضح على قلقهم وعزمهم القضاء على الاضطرابات في الاردن من جذورها". وأضافت "سيقومون بكل ما بوسعهم لإفشال ربيع عربي آخر على عتبة أبوابهم".

في عمان بدأت ترتسم ملامح الاعتراض الشعبي العربي على الصفقة، فالأردن الذي يجد نفسه مرتبطاً بمعاهدة سلام مع إسرائيل، يكتشف أن هذه المعاهدة لم تعد قادرة على حماية موقفه الرمزي في القدس، عبر الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة في المدينة. كما يكتشف الوحدة المصيرية التي تربطه بفلسطين. فإذا كانت "صفقة القرن" تعني زوال فلسطين من الخريطة السياسية الإقليمية، فماذا يضمن بعدها بقاء الأردن كمنطقة فصل كانت ضرورية بين إسرائيل والداخل العربي؟

من هنا يجب أن نفهم الذعر العربي من احتمالات الانفجار في المملكة الهاشمية، فهذا الانفجار مؤهل للتحوّل إلى صاعق يفجر منطقة عربية ذاهبة الى الاستسلام الطوعي، بقوة الأنظمة الاستبدادية التي تعد شعوبها بليبرالية اجتماعية مصحوبة بقمع سياسي، والتي أحدثت إنقلاباً شاملاً على اللغة السياسية التي كانت تحتمي خلفها بحجة الدفاع عن فلسطين والقدس والمقدسات.

الانفجار سيكون شاملاً، وشعور الثقة في النفس الذي يهيمن على إعلام دول الصفقة، يخفي رعباً حقيقياً من ردات فعل شعبية، يمكن أن تطيح بكل أشكال التوازنات في المنطقة.

بدا اللعب بفلسطين سهلاً، إلى أن بدأت غزة في إرسال إشاراتها الكبرى من خلال مسيرات العودة، وهي إشارات سوف تولد انفجارا كبيراً في الضفة والقدس، لحظة الاعلان عن صفقة تعدها إدارة أمريكية تتكلم لغة المستوطنين وتبدو على يمين اليمين "الديني الصهيوني."
 

دقت عمان ناقوس الخطر.

أغلب الظن أن النظام العربي المهيمن يراهن أنه يستطيع عبر الرشوة أن يفرض على المنطقة التنكر لحاضرها، والقبول بمحو فلسطين، وتفتيت شعبها، وتحطيم إرادته.

إنه رهان الحمقى.لأن من يملك مفاتيح القدس هو الشعب الفلسطيني، ولا أحد سواه.

ولأن من يتلاعب بمصير فلسطين والقدس، لن يجد في حلفائه الإسرائيليين والأمريكيين من سيدافع عنه عندما يجد نفسه محاصراً بالعار.

 

الياس خوري

حقوق النشر: قنطرة 2018

الروائي والمسرحي والناقد الأدبي إلياس خوري (من مواليد 1948) كان ناشطاً في حركة التحرير الفلسطينية (فتح)، وهو واحد من الكتاب والمثقفين المؤثرين في العالم العربي. نشر خوري عشر روايات وثلاث مسرحيات، ويعيش اليوم في بيروت.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.