تاجر مسافر يستورد قصائده

عندما يفكِّر غوته في شعره ولعب الأدوار في الجزء النثري المُقَلَّل من شأنه حتى يومنا هذا ضمن "ديوانه"، فهو يرسم صورته الذاتية أولًا وفق هذه النماذج: مثل صورة التاجر المسافر الذي يستورد قصائده وَ"يعرضها بسرور". لقد وجد بالفعل لصورته الذاتية المُبَكِّرة كعبقري ملهم نموذجه في نفس المجال.

يبدو أنَّ محاولة غوته الشبابية تصنيف مسرحية حول محمد مُوَجَّهة ضدَّ فولتير وتروي قصتُها من جديد "الشعرَ والحقيقةَ"، قد تتبَّعت طريق بطلها المسماة على اسمه من الوحي الكريم إلى السلطة السياسية، وجعلت الرجل المُتوفى (أي فولتير) يندم على أخطائه ويعود إلى التقوى الخالصة، وهي قدوة وتنبيه في الوقت نفسه.

تتفرَّع المسارات الأدبية من قصائد غوته. فمثلما اكتشف من جديد داومر وبلاتن تصوَّف حافظ، سائرَيْن على خطى غوته، فإنَّ ترجمة فريدريش روكيرت للقرآن التي لا تشوبها شائبة في دِقَّتِها قدَّمت أخيرًا للقرَّاء الألمان فكرةً عن جمال الأصل.

وبالنسبة لمَنْ كان يشعر بأنَّ هذا كله مستواه مرتفع جدًا، يجد في روايات كارل ماي حول الشرق، التي تبدأ بعبارة "في الصحراء"، مُلخَّصات ومختصرات مستنيرةً للمعارف المعاصرة حول عوالم المسلمين وأركان معتقداتهم وممارساتهم، وصراعاتهم مع المسيحيين واليهود والإيزيديين (وآليات التعصُّب المتبادل) - كتبٌ غنية بالمعرفة بشكل ملفت للنظر ومتعاطفة ولديها استعداد للفهم على الرغم من كلِّ بوادر التفوُّق.

تصور للنبي محمد. رسم عثماني من القرن 17.  Quelle: Wikipedia/Public Domain
النبي محمد كصانع سلام ومبشِّر بعهد جديد: خلال الحرب العالمية الأولى، كتب كلٌّ من الكاتب التعبيري العاطفي كلابوند والناشط الاشتراكي فريدريش فولف -كل منهما بشكل مستقل عن الآخر- حول النبي محمد باعتباره المبشِّر بالأخوة الإنسانية.

 

ذروة التفسيرات الأدبية للإسلام

ولكن استمرت المسارات الرائعة أيضًا عبر الأدب العالي. الشاعر راينر ماريا ريلكه، على سبيل المثال، صاغ في عام 1907 في سونيت "دعوة محمد" ذلك المشهد الأساسي من الوحي الشعري، الذي أصبح بعد خمسة أعوام نموذجًا كثيرًا ما يُساء فهمه في مجموعته الشعرية "مراثي دوينو". أشار ريلكه أثناء عمله على هذه المراثي إلى أنَّ الإلهام يجب أن يأتي عن طريق الفنَّان "على الأقل كما جاء عن طريق محمد".

خلال الحرب العالمية الأولى، كتب كلٌّ من الكاتب التعبيري العاطفي كلابوند والناشط الاشتراكي فريدريش فولف -كل منهما بشكل مستقل عن الآخر- حول النبي محمد باعتباره المبشِّر بالأخوة الإنسانية تحت راية السلام الإلهي.

رواية كلابوند "محمد" تدع في النهاية كلًا من محمد وموسى والمسيح يقعون في أحضان بعضهم وهم يبكون. وهذا المشهد العاطفي الرائع يمثِّل ذروة وليس نقطة نهاية التفسيرات الأدبية للإسلام. هذا المشهد على أية حال ربَّما كان سينال إعجاب غوته. لقد كتب في ديوانه: "إنْ كان الإسلام يعني الخضوع لله"، إذًا فنحن "نحيا ونموت جميعًا في الإسلام".

 

 

هاينريش ديتيرينغ

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: زود دويتشه تسايتونغ / موقع قنطرة 2019

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.