الباحثة الألمانية وخبيرة العلوم الإسلامية المستشرقة آنا ماري شيمل :

ذكرى ميلاد سيدة الاستشراق
الألمانية آنا ماري شيمل مرجعية بنظرتها للإسلام

أيقونة الاستشراق الألماني آنا ماري شيمل: نظرتها الودودة تجاه الإسلام تميزت عن مجتمع الاستشراق الألماني والعالمي في زمانها، "وحتى وإن كان بين جيلنا وجيلها فجوة تظل أعمالها بوصلة إرشادية" في الغرب - استدلال الباحث شتيفان فايدنر لموقع قنطرة.

يكفي أن نشير من أجل التعرُّف على أهمية آنا ماري شيمِل إلى أنَّها كانت أوَّل امرأة صنعت لنفسها اسمًا وحقَّقت نجاحًا مهنيًا في مجال العلوم والدراسات الإسلامية - ليس في ألمانيا فقط، بل في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك فقد مرَّت الذكرى المئوية الأولى لعيد ميلادها في السابع من نيسان/أبريل (2022) من دون أي تقدير يستحق الذكر. والسؤال: أَلم تعد توجد لدينا اليوم أشياء أكثر أهمية من الحرب؟

أنا معجب بآنا ماري شيمِل على مثابرتها. فقد تمكَّنت من ترك بصمتها في وسط أكاديمي يهيمن عليه رجال مغرورون - مغرورون جدًا، وباتت معروفة أكثر منهم جميعهم. تتحدَّث في سيرتها الذاتية - الصادرة تحت عنوان "الشرق والغرب: حياتي الغرب-شرقية" (نقلها إلى العربية د. عبد السلام حيدر) - حول جميع الإهانات الصغيرة، التي تعيَّن عليها أن تعاني منها من أجل تحقيق نجاحها؛ مثل التقليل من شأنها وتصغير اسمها إلى "الآنسة شيمِلاين" (أي شيمِل الصغيرة) أو تسميتها بـ"جميلة".

حتى وإن كان اسم جميلة يعني في ترجمة إلى الألمانية "الجميلة الحسنة" فإنَّه مع ذلك يختزلها في مظهرها الخارجي. فهل كان أحد سيجرؤ على فعل شيء كهذا مع رجل موهوب جدًا وطموح؟ لقد نقلت أنا مارى شيمل عن صديقة نسوية قولها: "الرجال أعداؤنا".

ومع ذلك فقد كانت منذ دراستها في برلين خلال الحرب العالمية الثانية على اتصال جيِّد جدًا بعالَم الدراسات الشرقية الألماني، حيث حصلت على الدكتوراه في عام 1941 وهي في سنِّ التاسعة عشرة (وهذا إنجاز لا يمكن تصوُّره اليوم)؛ وقدَّمت في شهر آذار/مارس 1945 - في خضم اضطرابات نهاية الحرب - رسالة تأهيلها للأستاذية. ولكنها مع ذلك لم تحصل إلَّا في عام 1961 على منصب أكاديمي مناسب إلى حدّ ما في مدينة بون الألمانية.

لقد كانت آنا مارى شيمل  أوَّل باحثة على الإطلاق صنعت لنفسها اسمًا في مجال الاستشراق والعلوم الإسلامية. ويمكن ملاحظة مدى ندرة النساء في هذا المجال العلمي من حقيقة أنَّ من بين عشرات ترجمات القرآن إلى اللغات الأوروبية لم يتم نشر أية ترجمة للقرآن أنجزتها نساء إلَّا في الآونة الأخيرة (ترجمة لـِ: أنغيليكا نيوفيرت وترجمة أخرى لِـ: لمياء قدور وربيعة مولَر). ويفضح هذا المثال الفكرة الحمقاء في الثقافات الذكورية، التي استمرَّت حتى وقت قريب في الغرب، والتي تفيد بأنَّ المقدَّس عمل من اختصاص الرجال.

 

ضريح آنه ماري شيمِل (1922-2003) بمدينة بون الألمانية في مقبرة بوبيلسدورف باحثة ألمانية عظيمة وخبيرة في العلوم الإسلامية. Das Grab von Annemarie Schimmel auf dem Poppelsdorfer Friedhof in Bonn; Foto: Lukas Wiedenhütter
سيدة الاستشراق الأولى: أقام في السابع من نيسان/أبريل 2022 المركز الدولي لعلم اللاهوت المقارن والقضايا الاجتماعية بجامعة بون الألمانية احتفالية بالذكرى المئوية الأولى لولادة عضوته الباحثة المشهورة آنه ماري شيمِل، وقد تمت دعوة الزوَّار للسير على خطاها في جولة عبر المدينة، انتهت عند قبرها في مقبرة بوبيلسدورف. وعدا ذلك لم يكن هناك سوى القليل من الفعاليات العامة لتقدير سيدة الاستشراق الأولى، التي تركت بصمتها كأوَّل امرأة في العلوم الإسلامية ليس فقط في ألمانيا، بل في جميع أنحاء العالم. آنه ماري شيمِل (1922-2003) باحثة ألمانية عظيمة وخبيرة في العلوم الإسلامية - لو أنها بقيت على قيد الحياة لأصبح عمرها مئة سنة في هذا العام 2022. وبوضوح تميزت بنظرتها الفريدة والودودة إلى الإسلام عن مجتمع الاستشراق والعلوم الإسلامية الأكاديمي الألماني والعالمي في زمانها. حتى وإن كان بين جيلنا وبين جيلها فجوة فإن عملها يبقى بوصلة اقتداء في الغرب، كما يكتب شتيفان فايدنَر.

 

وقد جعلت آنا ماري شيمِل من تخصُّص الاستشراق والعلوم الإسلامية تخصُّصًا طبيعيًا بالنسبة للنساء. فالجيل التالي لها أنجب الكثير من الباحثات المهمات في الاستشراق والعلوم الإسلامية - وبإمكانهن جميعًا أن يعتبرن أنفسهن بطريقة أو بأخرى وريثات آنه ماري شيمِل.

تحمُّسها للأدب

ومن خلال ترجماتها وكتبها فقد مهدَّت طريقَ مسيرتِي الأكاديمية شخصيًا كباحث في العلوم الإسلامية. كانت آنا ماري شيمِل واحدة من أوائل الأشخاص القليلين من أبناء وبنات جيلها، الذين لم يهتموا بالعالم الإسلامي المعاصر كمادة فقه لغوية ميِّتة أو كمشكلة سياسية واجتماعية، بل كانوا متحمِّسين للأدبه المعاصر. ولم يكن اهتمام آنه ماري شيمِل يقتصر فقط على عظماء الأدب الشرقي، بل كانت تهتم أيضًا بشعراء وشاعرات من جيلها وحتى من الأجيال الأصغر سنًّا.

وكان هذا شيئًا جديدًا تمامًا، لم يُسمع به تقريبًا من قبل! وهكذا أصبح العالم الإسلامي معاصرًا، ليس كمشكلة سياسية بل كثقافة حيَّة معاصرة يُنظر إليها بشكل متكافئ مع ثقافتنا. نشرت آنه ماري شيمِل في عام 1975 مختارات مع  ترجمات من الشعر العربي المعاصر. ولم تكن تنظر بتاتًا إلى معارفها وأصدقائها العرب والأتراك والإيرانيين والباكستانيين باعتبارهم مجرَّد مصادر معلومات ("مصادر أصلية للمعلومات")، ناهيك عن اعتبارهم "موضوعات" للبحث الأنثروبولوجي أو الإثنولوجي أو الاجتماعي أو السياسي مثلما لا يزال يفعل الكثيرون حتى يومنا هذا.

ومن خلال تخليها عن المسافة التي كانت تفصل الكثيرين في مجالها الأكاديمي عن "موضوعات" بحثهم -وهي مسافة كثيرًا ما يتم تزويقها باعتبارها ضرورية علميًا من أجل المحافظة على "الموضوعية"- فقد تجاوزت آنه ماري شيمِل زمنها كثيرًا.

الجدل حول جائزة السلام الألمانية

وعلى الرغم من جميع جوانب عملها المتطلعة إلى المستقبل، إلَّا أنَّها كانت تقف على الطرف الآخر من انقسام جعل الاستمرار المباشر في نهجها صعبًا بالنسبة لنا نحن اللاحقين. وهذا الانقسام لم يبدأ فقط مع هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، بل كان واضحًا بالنسبة لآنه ماري شيمِل قبل ذلك الوقت: إذ تجلى في الحملة التي شُنَّت ضدَّها عندما حصلت على جائزة السلام من اتحاد الناشرين الألمان في عام 1995.

وحينها تم اتِّهامها بأنَّها لم تتَّخذ موقفًا حازمًا بما يكفي من قضية الفتوى الصادرة من قِبَل آية الله الخميني في إيران بإهدار دم الكاتب البريطاني الهندي سلمان رشدي، مؤلف رواية "آيات شيطانية"؛ واتُهمت حتى بأنَّها أظهرت تعاطفًا غير مبرَّر مع غضب المسلمين بسبب رواية سلمان رشدي.

 

وكان هذا بمثابة إعلان عن الخلافات الإيديولوجية، التي حَدَّدت بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر السياسة الألمانية والأوروبية الأمريكية. لم يكن كافيًا بالنسبة إلى آنه ماري شيمِل أن تتَّخذ موقفًا واضحًا ضدَّ فتوى الخميني، بل كان يُنتظر منها أن تنكر حقّ المسلمين المؤمنين في الغضب، وحتى سبب غضبهم. وهذا يعني أنَّه كان يُنتظر منها أن تمنح بركتها إلى غطرسة الغرب وجهله المعتادين.

وبما أنَّها رفضت فعل ذلك، فقد تم تحويلها إلى سطح يسقطون عليه صورة العدو الظاهرة حديثًا، والتي لا تزال تسيطر علينا حتى اليوم وقد كان لها دور كبير في إغفالنا العدو الأكثر خطورة في شرق أوروبا.

فقدان البراءة

والخلاف حول منح جائزة السلام إلى آنه ماري شيمِل لم يكن بطبيعة الحال سببًا بل كان مجرَّد عارض من أعراض الانقسام، الذي كانت تقف آنه ماري شيمِل على طرفه الآخر، وهو انقسام كان من المستحيل تقريبًا التغلب عليه بالنسبة لأبناء جيلي والأجيال التالية. إذَن أين كان يكمن في الواقع هذا الانقسام وماذا كان سببه؟

الغلاف الألماني لكتاب الباحثة الألمانية وخبيرة العلوم الإسلامية آنه ماري شيمِل "الشرق والغرب - حياتي الغربية الشرقية". Cover von Annemarie Schimmel "Morgenland und Abendland. Mein west-östliches Leben" CH Beck 2002; Quelle: Verlag
رائدة في عالم يهيمن عليه الرجال: تتحدَّث في ترجمتها الذاتية حول جميع الإهانات الصغيرة، التي تعيَّن عليها أن تعاني منها خلال مسيرتها الأكاديمية، مثل التقليل من شأنها وتصغير اسمها إلى "الآنسة شيمِلاين" (شيمِل الصغيرة) أو تسميتها بـ"جميلة". يتساءل الكاتب شتيفان فايدنَر: "هل كان أحد سيجرؤ على فعل شيء كهذا مع رجل موهوب جدًا وطموح؟"، ويضيف: "أنا معجب بآنه ماري شيمِل على مثابرتها. فقد تمكَّنت من ترك بصمتها في وسط أكاديمي يهيمن عليه رجال مغرورون - مغرورون جدًا، وباتت معروفة أكثر منهم جميعهم".

كان يكمن ببساطة في حقيقة أنَّه لم يعد من الممكن حتى خلال حياة آنه ماري شيمِل وجود نظرة بريئة إلى الإسلام والعالم الإسلامي وإلى العالم العربي وإلى "الشرق"، في حين أنَّ رأي آنه ماري شيمِل وعملها في مجال العلوم الإسلامية يقومان على هذا الرأي البريء غير المتحيِّز كشرط مسبق.

فالنظر من مسافة "علمية" موضوعية بلا رحمة -أو من ثقافة شكّ واتّهام وارتياب لا ترحم- أيضًا لا يعتبر طريقة يمكن من خلالها أن نفهم ونستوعب بشكل مناسب الظواهر التاريخية الثقافية الغريبة، ناهيك عن الإعجاب بها؛ فهي تظل من خلال ذلك موادَّ ميِّتةً، مجرَّد موضوع خاضع للتشريح.

الصدمة الناجمة عن إدوارد سعيد

لقد وجد المفكِّر والباحث الثقافي الأمريكي الفلسطيني إدوارد سعيد -وهو زميل معاصر لآنه ماري شيمِل ومن رابطة آيفي الأكاديمية- التعبير الأقوى عن هذا الارتياب وسببه الأكثر وضوحًا، والذي يقوم عدا ذلك على المعاملة بالمثل.

ومع كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق" المنشور في عام 1978 -والذي قدَّم نظرية ما بعد الاستعمار- انتهت حقبة البراءة المفترضة وحصل الانقسام المتجذِّر في تجاهلات حقبة الاستعمار على التنوير والتنظير الضروريين.

ما من شكّ في أنَّ إدوارد سعيد عندما قام بتفكيك "الاستشراق" لم يكن يقصد العلوم الإسلامية الأكاديمية وحدها، وبكلِّ تأكيد ليس نهج آنه ماري شيمِل في هذا المجال. وإدوارد سعيد كان على أية حال رحيمًا مع الاستشراق الألماني وتجنَّب انتقاده. ويعود سبب ذلك من ناحية لأنَّه لم يكن يجيد الألمانية، ومن ناحية أخرى لأنَّ طبيعة الدقة اللغوية الصارمة لدراسات الشرق الألمانية كانت متسمة بنقاط ضعف أقل من طبيعة سياسات القوة المتجذِّرة في نهج القوى الاستعمارية الأقدم الأخرى.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة