يروي لنا في مذكراته تفاصيلَ هذه التجربة وحياته في هذا البلدِ المنقسمِ، لكن ما يلفتُ النظرَ في حديثه عن هذه الفترةِ، أنه  تارةً يأتي على ذكر يومياته في الجامعاتِ والمشافي الألمانية، وتارةً أخرى نراه يتحدثُ وكأنه أشبه برحالةٍ أو إثنوغرافي، مما يذكرنا بملاحظاتِ الفرنسي جاك لوغوف حول أحد أعمال جورج دوبي (يوم أحد بوفين) حين يؤكدُ أنّ ما ميزَ كتابه هو "أنّ نظرته للذاكرةِ بدت نظرة عالِم أنثربولوجيا"، ويمكن القول إنّ ذات الاستنتاجِ ينطبقُ على ذكرياتِ طبيبنا السعودي، خاصة عندما يحدثنا عن عاداتِ الألمانِ وأخلاقِهم وطعامِهم.

البطاطا الألمانية

الغلاف العربي لكتاب الطبيب السعودي فالح الفالح "حياة في الطب بين الرياض وهايدلبرغ".
عالَمِ سِّيَرٍ ذاتيةٍ عربية بين ألمانيا والسعودية: عكف الطبيب السعودي فالح الفالح أيضا مثل الطبيب السعودي محمد المفرح وغيرهما على كتابة ذكرياتهم ... ونجد أنّ هذه الموجة ناجمة بالأساسِ عن رغبة منهم للكتابةِ عن حياتهم ومشاهداتهم، وهو ما يدعم ظهور أشكال أخرى من الكتابة في عالمِ السِّيَرِ الذاتيةِ السعوديةِ. في الصورة: الغلاف العربي لكتاب الدكتور السعودي فالح الفالح "حياة في الطب بين الرياض وهايدلبِرغ".

عندما وصلَ إلى برلين الغربية بدت له آنذاك أشبه بجزيرةٍ وسط ألمانيا الشرقية، وكان الجنودُ من ألمانيا الشرقية ومن ورائهم الروس يفتشونَ كل من أرادَ الاتجاه إليها ... يذكرُ أنه التحقَ بجامعةِ برلين الحرة، وهي جامعةٌ أُنشِئت بعد انتهاءِ الحربِ العالميةِ الثانيةِ على عجلٍ. ومن القصصِ الطريفةِ التي يذكرها في الجامعةِ أنّ الأطباء في ألمانيا كانوا قد اعتادوا على إطلاقِ النكاتِ على مختلفِ التخصصاتِ، فهم يقولون أنّ: طبيبَ الأمراض الباطنية هو الذي يعرفُ كلّ شيء ولا يستطيعُ عملَ أي شيء، والطبيبُ الجراحُ هو الذي لا يعرفُ أي شيء ولكنه يعملُ كل شيء، وطبيبُ التشريحِ هو الذي يعرفُ كل شيء ويعملُ كل شيء ولكن بعد فواتِ الأوانِ، أما طبيبُ النساءِ والولادةِ فهو الذي يجلسُ أمام سريرِ الولادةِ، ينتظرُ، ينتظرُ، وينتظرُ.

في عام 1962، زارَ الطبيبُ برلين الشرقية، فبصفته أجنبياً كان مسموحاً له القيام بذلك عن طريقِ الممرِ الوحيدِ بين برلين الغربية والشرقية المسمى (تشيك بوينت تشارلي). ومما يذكره أنّه عندما دخلَ تجلّى له البون الشاسع بين الشطرين. فهناك وجدَ الوجوه البائسةَ والخائفةَ من أي محادثةٍ لشعورها بالمراقبةِ. أما المقاهي والمطاعم فجلّ ما هو مدون في القائمةِ كان غير موجودٍ.

نراه يثني في أماكن كثيرةٍ من مذكراته على أخلاقِ الألمانِ، ويؤكدُ على "أنّ الأمانةَ والصدقَ مبدأ أساسي في هذه البلاد، يلقنونه أطفالهم قبل الفطامِ"، كما يؤكدُ أنّه "صدَقَ من قالَ عند زيارته لأوروبا: وجدت إسلاماً بدون مسلمين"، في إشارةِ لمقولةِ المصري رفاعة الطهطاوي الذي زارَ باريس في عام 1826 ضمن بعثةٍ علميةٍ أرسلها محمد علي باشا.

بعد الانتهاءِ من الدراسةِ رجع المفرح إلى السعوديةِ وعملَ مديراً لأحد المستشفياتِ، وفي عام 1972، عاد مرةً أخرى إلى ألمانيا للتخصّصِ في الأمراضِ الباطنيةِ. لكننا لن نعثرَ في عودته هذه على تفاصيل حول الجامعاتِ والمشافي، بل على طبيبٍ وقد تحوّلَ إلى باحثٍ إثنوغرافي يطوف في الحياة الألمانية لينقل تفاصيلَ المجتمع في فترةِ السبعينيات والتحوّلات التي عرفها لاحقاً.

نرى في هذه الصورِ مجتمعاً ألمانياً محافظاً، فعلى سبيلِ المثالِ، يذكرُ أنّ الشابةَ الألمانيةَ في تلك الفترةِ لم تكن تضربُ موعداً مع شابٍ إلا بعلمِ والديها، وإذا حملت البنتُ في السابقِ قبل الزواجِ فكان ذلك يُعدُّ طامةً كبرى، بينما، كما يذكرُ، تبلغُ في الوقتِ الحاضرِ نسبةُ الأمهاتِ المربياتِ لأطفالهن حوالي مليون ونصف مليون امرأة. والملفتُ هنا أنّ الطبيبَ لا يبدي أي موقفٍ ديني من هذا الأمر، رغم أنه يظهرُ أحياناً في السيرةِ بوصفه شخصيةً ملتزمةً دينياً، بل يفضّلُ في هذه المقارنة رسمَ صورِ التغيراتِ التي عرفها المجتمعُ الألماني بين الأمسِ (السبعينيات) واليوم.

ومن بين الأمورِ الطريفةِ التي يأتي على ذكرها والتي تتعلّقُ بطعامِ الألمانِ، أنّ الوجبةَ الرئيسيةَ لهم كانت البطاطا، ولا يكتفي بذكرِ هذه المعلومة بل سرعان ما يتقمّصُ دورَ الانثربولوجي أو المؤرخِ ليعود بنا إلى تاريخِ البطاطا في هذا البلدِ، لنكتشفَ معه أنّها لم تكن موجودةً في هذا البلدِ وأوروبا عموماً قبل أن تُجلَبَ من أميركا الجنوبية، وأنّ البطاطا كانت تُقدّمُ في إيطاليا للخنازيرِ في القرنِ السادس عشر، أما الكنيسة فكانت تسميها خبز الشيطانِ، لكن ملك برويسن (بروسيا) في ألمانيا (فريدريك الثاني) اكتشفَ لاحقاً القيمَ الغذائيةَ للبطاطا، فأصدرَ أمراً، كما يذكرُ طبيبنا المؤرخُ، لزراعتها في أي بقعةٍ ... ومما يذكره أنّ الألمانَ كانوا مشهورين بحبِّ البطاطا ( البطاطس)، وأنّ الطليان يعيرونهم بكلمةِ (كارتوفِل/بطاطا) وهم يعيرونهم بكلمةِ (شباقتي/معكرونة). ويقول طبيبنا في مكانٍ آخر أنّ الألماني لا يحبُّ البذخَ، خلافاً لبذخِ الخليجيين المصطنع.

يبقى أن نقولَ إنّ سيرةَ الطبيبِ مفرح، وغيرها من سيرِ الأطباءِ السعوديين في ألمانيا، ومن بينها سيرةٌ جديدةٌ تصدرُ قريباً للطبيبِ السعودي عثمان الربيعة، لا تُمثِّلُ ظهورَ كتّابٍ جددٍ للسيرِ الذاتيةِ فحسب، بل هي في زوايا أخرى تُعبّرُ عن نوعٍ من أنواعِ أدبِ الرحلاتِ السعودي وعن تواريخ جديدةٍ حول هذا البلد وأهله وثقافته خلال القرنِ العشرين.

 

 

محمد تركي الربيعو

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة