إنقسام الطبقة الحاكمة

وكانت الطبقة السياسية الجزائرية شهدت قبل سنوات قليلة انقساماً واضحاً في شأن ترشح الرئيس بوتفليقة بين مؤيدين لولاية رابعة للرئيس ومعارضين لها. ولم يعد سرّاً أنّ هناك مجموعة معيّنة مرتبطة ببوتفليقة تخشى خروجه من المرادية، أي قصر الرئاسة. بعدما ارتكبت مخالفات، وفضائح فساد، وهي تخشى الملاحقة القانونية وربّما الانتقام السياسي. ومن المدافعين بشراسة عن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة يتصدر«حزب جبهة التحرير الوطني» (الأفالان) طليعة هؤلاء، بوصفه الحزب الذي يحتل المركز الأول في المجلس الشعبي الوطني الجزائري.

تعيش الجزائر في خضم تموجات ما بات يعرف «بالربيع العربي» وتداعياته الخطيرة، ما جعل الشعوب العربية تعيش حالة من الارتباك السياسي والحيرة من الإسقاطات المدمرة لثوراتها. وهذا الوضع هو ما يدفع الآن بالعديد من الأحزاب السياسية في الجزائر، لا سيما المشاركة بالسلطة، إضافة إلى المؤسسة العسكرية، إلى التمسك ببقاء الرئيس بوتفليقة في الحكم، خوفاً من حدوث فراغ كبير يؤدي إلى تفجير الوضع، في ظل تنامي الإرهاب في معظم العالم العربي.

أطاح بوتفليقة بعبد المجيد تبون بعد ثلاثة أشهر فقط من تعيينه.
أطاح بوتفليقة بعبد المجيد تبون بعد ثلاثة أشهر فقط من تعيينه.

الجيش مصدر السلطة

ومن المعروف في التاريخ السياسي الجزائري المعاصر أن الجيش هو الذي يصنع الرؤساء لا صناديق الاقتراع، إذ تعتبر المؤسسة العسكرية الحامية الوحيدة لقوانين الجمهورية، ولم تشهد أي انقسام في صفوفها خلال أخطر الأزمات، على غرار المؤسسة العسكرية التركية التي تعتبر نفسها الحامية الوحيدة للعلمانية.

وفضلاً عن ذلك، لا تؤمن المؤسسة العسكرية الجزائرية بالتوريث، وهي تشترط أن يكون الرئيس المستقبلي للجزائر على دراية كاملة بالملفات الأمنية على المستوى الإقليمي والدولي، وأن يكون نظيفاً ومحبوباً من الشعب الجزائري، وغير متورط في أزمات الولايات الرئاسية الأخيرة. والحال هذه، لا يمكن لهذه المؤسسة أن تدعم شقيق الرئيس بوتفليقة، إذ تتحدث التقارير في شكل دائم عن علاقة بينه وبين رجال المال والأعمال.

لا جدال في أنّ بقاء الرئيس بوتفليقة في الرئاسة مدى الحياة، على رغم عجزه عن القيام بأي مبادرة في مجال إصلاح المؤسسات، يكرّس العناد والجمود المهيمنين على سياسات الدولة. وما دام الرئيس بوتفليقة الحاضر- الغائب، ليس لديه أي همّ سوى أن يكون هواري بومدين آخر، ستظل الجزائر في ظل ديكتاتورية متجددة قد تقحم البلد في متاهة أخرى إذا ما أقدم النظام على القيام بمغامرة توريث الحكم لشقيق الرئيس.

فمسألة توريث الحكم، ستفسح في المجال لفتح مشاكل سياسية ومناطقية، لا سيما أن مناطق عدة باتت تعتبر نفسها ضحية لفترة حكم الرئيس، مثل منطقة الشرق والقبائل، وستقضي على كل طموحات وانتظارات المجتمع الجزائري في تحقيق الإصلاحات الديموقراطية الضرورية.

 

توفيق المديني

توفيق المديني كاتب ومحلل سياسي تونسي

حقوق النشر: قنطرة 2017

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.