رائدة الأفلام التسجيلية في مصر والوطن العربي

"صوت من لا صوت له"...ألمانيا تحتفي بأفلام المخرجة المصرية عطيات الأبنودي

أفلام تسجيلية للمخرجة المصرية عطيات الأبنودي تمنح صوتاً لمحرومين -نَستْهم الدولة- محافظةً على عزة النفس لديهم والنزاهة. ظلم اجتماعي في مصر منذ سبعينيات القرن العشرين تقدم أعمالها عنه صورة. كريستوفر ريش يسلط الضوء لموقع قنطرة على هذه المخرجة الراحلة.

لقد كانت أم سعيد ترغب كثيرًا في إرسال ابنتها فريال إلى المدرسة كونها البنت الثانية للعائلة الكبيرة. ولكن عندما أجبرتها حرب الأيَّام الستة في عام 1976 على الهروب، فقدت شهادة ميلاد ابنتها فريال. لم تكن توجد لدى زوج أم سعيد رغبة كبيرة في تقديم طلب للحصول لابنته على شهاد ميلاد جديدة، وكان عمها على أية حال، الذي يُعتبر كبير العائلة، ضدَّ فكرة دخولها المدرسة.

فقد كان يجب على النساء أن يعملن في البيت - إذْ كان بإمكانهن ابتداءً من عمر أربعة أعوام المساعدة في أعمال البيت الخفيفة. وهكذا كانت الحال مع هذه الفتاة التي ذهبت إلى المدرسة. وهي واحدة من ثمانية وأربعين فردًا في العائلة.

تحكي أم سعيد في فيلم "الأحلام الممكنة" (إنتاج عام 1983) عن قساوة الحياة وعن حياتها اليومية كفلَّاحة في بلدة صغيرة تقع على قناة السويس. إنَّ مَنْ يشاهد أم سعيد والنساء الأخريات وهنّ يجلبن الماء ويعجن العجين ويخبزن الخبز ويغسلن الملابس، ولا يستطعن حتى التفكير في الراحة، يمكنه أن يفهم مثلًا لماذا لا تزال ترغب بعض العائلات حتى يومنا هذا في إنجاب أكبر عدد ممكن من الأطفال: لأنَّهم بالذات أيدٍ عاملة.

تامر السعيد - مخرج سينمائي ومؤسِّس مشارك في مركز سيماتك السينمائي البديل في القاهرة. Foto: Tamer el-Said (privat)
يقول تامر السعيد، وهو مخرج سينمائي ومؤسِّس مشارك في مركز سيماتك السينمائي البديل في القاهرة: "عطيات كانت إنسانة رائدة. لقد طوَّرت نموذج إنتاج خاص بها كان في تلك الفترة جديدًا تمامًا، وأَلهمت الكثيرين من صانعي الأفلام، بمن فيهم أنا".

مَنْ يسمع أم سعيد وهي تتحدَّث عن هذا الشقاء اليومي، من دون أن تنال أي اعتراف وتقدير أو حتى أي أجر، ومن دون أن تتذمَّر، يشعر بقدر كبير من الاحترام؛ وخاصة لأم سعيد نفسها، وكذلك للمخرجة عطيات الأبنودي، التي أتاحت لنا هنا اليوم مشاهدة مثل هذه المعلومات.

توفيت عطيات الأبنودي عام 2018. ولدت في عام 1939 لأسرة من الطبقة العاملة في قرية صغيرة تقع في دلتا النيل - وقد كانت محظوظة: حيث كان التعليم مهمًا بالنسبة لأسرتها، وتمكَّنت من دراسة القانون في القاهرة. كانت تموِّل دراستها من خلال عملها في التمثيل. ثم عملت في وقت لاحق كصحفية ودرست في المعهد العالي للسينما في القاهرة، وبدأت في مطلع السبعينيات في تصوير أفلام وثائقية - كأوَّل امرأة تقوم بذلك في مصر.

رائدة السينما المصرية

"عطيات كانت إنسانة رائدة"، مثلما قال عنها تامر السعيد، وهو مخرج سينمائي ومؤسِّس مشارك في مركز سيماتك السينمائي البديل في القاهرة: "لقد طوَّرت نموذج إنتاج خاص بها كان في تلك الفترة جديدًا تمامًا، وأَلهمت الكثيرين من صانعي الأفلام، بمن فيهم أنا".

 

{"هدف عطيات الأبنودي - الرامي إلى عرض نقاط قوَّة المظلومين والمحرومين وعدم جعلهم في الوقت نفسه ضحايا - لا يزال قائمًا: في أعمالها وكذلك في صفوف المخرجين والمخرجات، الذين يستلهمون أعمالهم منها."}
 

يقول تامر السعيد إنَّ هناك شيئين جعلا عمل عطيات الأبنودي مهمًا إلى هذا الحدّ: فقد أدركت من ناحية أنَّ التمويل الخارجي يؤدِّي - بالرغم من مدى الترحيب به - إلى خلق تبعيات. ولهذا السبب فقد كان عملها يحتاج إلى نموذج قد لا يُغطِّي جميع التكاليف، ولكنه يتيح في المقابل حرِّيات مهمة فنِّيًا.

"كانت عطيات الأبنودي - على سبيل المثال - تمتلك شخصيًا كلَّ المعدَّات التقنية، وكان بوسعها بالتالي أن تخفض تكاليف الإنتاج"، مثلما يوضح تامر السعيد. ويضيف أنَّ إخراج الأفلام كان يهيمن عليه حتى الستينيات من القرن العشرين أسلوبٌ دعائي تعليمي للغاية. كانت عطيات الأبنودى جزءًا من جيل المخرجين - الذكور - الذين غيَّروا ذلك وكانوا يصوِّرون فقط الأشخاص والأشياء ببساطة ومن دون سيناريو وتوجيهات. "كان هذا في تلك الأيَّام ينم عن رؤية مستقبلية".

التركيز على الفقراء والمهمشين

وكذلك كان اختيار موضوعاتها ينم عن رؤية مستقبلية: ركَّزت عطيات الأبنودي على الفقراء والمحرومين والضعفاء - الناس الموجودين على هامش المجتمع. مثلًا في فيلمها "حصان الطين" من عام 1971، الذي يعرض عملًا شاقًا ومملًا تزاوله نساء شابات في مصنع لطوب البناء.

ربطُ العصبة الغليظة على الرأس وحملُ الصفيحة فوقها ووضعُ طوب البناء لحمله طوبة فوق الأخرى - الفتيات الصغيرات يستطعن حمل ست عشرة طوبة بينما تستطيع النساء الأكبر سنًا والأقوى حمل ما يصل إلى خمس وعشرين طوبة، مثلما ينوِّه إلى ذلك بلهجة رزينة صوتٌ خارجي. ثلاثة قروش في اليوم للأكبر سنًا، وقرش ونصف للأصغر سنًا. أمَّا التفكير في المدرسة فهو أمر غير وارد.

تستكشف عطيات الأبنودي في فيلمها اللاحق "اللي باع واللي اشترى" (1992) علاقة المصريين بقناة السويس. فقد بات من المفترض لقناة السويس أن تكون مثالاً ساطعًا على قوة الشعب المصري وتحقيق الرخاء للجميع، خاصة منذ تأميمها في عام 1956 من قِبَل الرئيس جمال عبد الناصر في تلك الفترة.

يُشاهَد في هذا الفيلم الجانب الآخر. تجَّار أراضي من دون ضمير يبيعون - بدعم من شركات خاصة ومن دون شكّ من قِبَل الدولة - الأكاذيب للقرويين. ويقولون لهم إنَّ أراضيهم لا تساوي أي شيء، وهي على أية حال ذات ملوحة عالية، ومن الأفضل عدم التردُّد في بيعها. أمَّا الأراضي المبيوعة بثمن بخس فتنشأ عليها فنادق تجعل أصحابها أثرياء.

وهكذا تتم شيئًا فشيئًا خصخصة الساحل بأكمله. أمَّا كون الصيادين قد فقدوا جزءًا من أساس حياتهم ورزقهم، فهذا لا يهم لا الحكومة ولا "هيئة قناة السويس"، التي تأسَّست من أجل تأميم القناة.

 

صورة من فيلم عطيات الأبنودي "اللي باع واللي اشترى".  Foto: Cimatheque
تستكشف عطيات الأبنودي في فيلمها "اللي باع واللي اشترى" (1992) علاقة المصريين بقناة السويس. فقد بات من المفترض لقناة السويس أن تكون مثالاً ساطعًا على قوة الشعب المصري وتحقيق الرخاء للجميع، خاصة منذ تأميمها في عام 1956 من قِبَل الرئيس جمال عبد الناصر في تلك الفترة.

 

{"عطيات الأبنودي ألهمت الكثيرين من صانعي الأفلام بمن فيهم أنا" - تامر السعيد، مخرج سينمائي}
 

مدافعة وثائقية تدافع عن المظلومين اجتماعيًا

لقد منعت بطبيعة الحال مثل هذه الانتقادات السينمائية - الموجَّهة إلى الحكومة أو بعض المؤسَّسات - عطيات الأبنودي من الحصول على أي دعم حكومي. ولكنها أثَّرت في شهرتها كمدافعة وثائقية عن المظلومين اجتماعيًا. يصف المخرج تامر السعيد دوافعها بقوله: "كانت تريد أن تمنح صوتًا للذين لم يكن لهم أي صوت في الرواية الرسمية. وكانت تدافع دائمًا عن المظلومين والمحرومين، ولكنها في الوقت نفسه لم تكن تصوِّرهم كضحايا، بل كانت ترى وتعرض نقاط قوَّتهم".

تركت عطيات الأبنودي إرثها السينمائي لمبادرة مركز سيماتك. في أرشيفه الكائن بوسط مدينة القاهرة يمكن للباحثين والمهتمين في السينما البحث وجمع المعلومات. وكذلك توجد في مركز سيماتك دار سينما صغيرة ومقهى ومساحة عمل مشتركة.

"إنَّه مكان يستطيع فيه عشَّاق السينما والسينمائيين المحترفين الاجتماع والنقاش والجدال والعمل"، مثلما يصفه مؤسِّسه المشارك تامر السعيد: "مكان يحتفل بالتنوُّع السينمائي". وهو مكان يستطيع فيه صانعو الأفلام وضع حلول للمشكلات، مثلًا لصعوبة الحصول على تمويل دولي. تم تأسيس مركز سيماتك رسميًا في عام 2014، ولكن هذه الفكرة نشأت قبل ذلك بأعوام.

كانت عطيات الأبنودي قد سمعت عنه وأقنعت المخرجين والمخرجات في عام 2011 به وكذلك بإنشاء أرشيف للأفلام - لأنَّ هذا الأرشيف لم يكن مخطَّطًا له في البداية. بعد وفاة عطيات الأبنودي، عُرضت أعمالها أوَّلًا في القاهرة، وها هي أعمالها قد وصلت إلى برلين، إلى سينما أرسنال.

يقول الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، زوج عطيات، في فيلمها "أغنية توحه الحزينة" من عام 1972: "الدنيا وحشة لولا الناس". في الحقيقة، باتت الدنيا بعد وفاتها أوحش قليلًا من ذي قبل. ولكن مع ذلك فإنَّ هدفها - الرامي إلى عرض نقاط قوَّة المظلومين والمحرومين وعدم جعلهم في الوقت نفسه ضحايا - لا يزال قائمًا: في أعمالها وكذلك في صفوف المخرجين والمخرجات، الذين يستلهمون أعمالهم منها.

 

 

كريستوفر ريش
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

تعرض دار سينما أرسنال البرلينية نظرة على أعمال عطيات الأبنودي خلال أربعة أيَّام من الثاني وحتى السابع من تمُّوز/يوليو 2019. ويقدِّم تامر السعيد تعريفًا لجميع الأفلام.
 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.