تستكشف عطيات الأبنودي في فيلمها اللاحق "اللي باع واللي اشترى" (1992) علاقة المصريين بقناة السويس. فقد بات من المفترض لقناة السويس أن تكون مثالاً ساطعًا على قوة الشعب المصري وتحقيق الرخاء للجميع، خاصة منذ تأميمها في عام 1956 من قِبَل الرئيس جمال عبد الناصر في تلك الفترة.

يُشاهَد في هذا الفيلم الجانب الآخر. تجَّار أراضي من دون ضمير يبيعون - بدعم من شركات خاصة ومن دون شكّ من قِبَل الدولة - الأكاذيب للقرويين. ويقولون لهم إنَّ أراضيهم لا تساوي أي شيء، وهي على أية حال ذات ملوحة عالية، ومن الأفضل عدم التردُّد في بيعها. أمَّا الأراضي المبيوعة بثمن بخس فتنشأ عليها فنادق تجعل أصحابها أثرياء.

وهكذا تتم شيئًا فشيئًا خصخصة الساحل بأكمله. أمَّا كون الصيادين قد فقدوا جزءًا من أساس حياتهم ورزقهم، فهذا لا يهم لا الحكومة ولا "هيئة قناة السويس"، التي تأسَّست من أجل تأميم القناة.

 

صورة من فيلم عطيات الأبنودي "اللي باع واللي اشترى".  Foto: Cimatheque
تستكشف عطيات الأبنودي في فيلمها "اللي باع واللي اشترى" (1992) علاقة المصريين بقناة السويس. فقد بات من المفترض لقناة السويس أن تكون مثالاً ساطعًا على قوة الشعب المصري وتحقيق الرخاء للجميع، خاصة منذ تأميمها في عام 1956 من قِبَل الرئيس جمال عبد الناصر في تلك الفترة.

 

{"عطيات الأبنودي ألهمت الكثيرين من صانعي الأفلام بمن فيهم أنا" - تامر السعيد، مخرج سينمائي}
 

مدافعة وثائقية تدافع عن المظلومين اجتماعيًا

لقد منعت بطبيعة الحال مثل هذه الانتقادات السينمائية - الموجَّهة إلى الحكومة أو بعض المؤسَّسات - عطيات الأبنودي من الحصول على أي دعم حكومي. ولكنها أثَّرت في شهرتها كمدافعة وثائقية عن المظلومين اجتماعيًا. يصف المخرج تامر السعيد دوافعها بقوله: "كانت تريد أن تمنح صوتًا للذين لم يكن لهم أي صوت في الرواية الرسمية. وكانت تدافع دائمًا عن المظلومين والمحرومين، ولكنها في الوقت نفسه لم تكن تصوِّرهم كضحايا، بل كانت ترى وتعرض نقاط قوَّتهم".

تركت عطيات الأبنودي إرثها السينمائي لمبادرة مركز سيماتك. في أرشيفه الكائن بوسط مدينة القاهرة يمكن للباحثين والمهتمين في السينما البحث وجمع المعلومات. وكذلك توجد في مركز سيماتك دار سينما صغيرة ومقهى ومساحة عمل مشتركة.

"إنَّه مكان يستطيع فيه عشَّاق السينما والسينمائيين المحترفين الاجتماع والنقاش والجدال والعمل"، مثلما يصفه مؤسِّسه المشارك تامر السعيد: "مكان يحتفل بالتنوُّع السينمائي". وهو مكان يستطيع فيه صانعو الأفلام وضع حلول للمشكلات، مثلًا لصعوبة الحصول على تمويل دولي. تم تأسيس مركز سيماتك رسميًا في عام 2014، ولكن هذه الفكرة نشأت قبل ذلك بأعوام.

كانت عطيات الأبنودي قد سمعت عنه وأقنعت المخرجين والمخرجات في عام 2011 به وكذلك بإنشاء أرشيف للأفلام - لأنَّ هذا الأرشيف لم يكن مخطَّطًا له في البداية. بعد وفاة عطيات الأبنودي، عُرضت أعمالها أوَّلًا في القاهرة، وها هي أعمالها قد وصلت إلى برلين، إلى سينما أرسنال.

يقول الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، زوج عطيات، في فيلمها "أغنية توحه الحزينة" من عام 1972: "الدنيا وحشة لولا الناس". في الحقيقة، باتت الدنيا بعد وفاتها أوحش قليلًا من ذي قبل. ولكن مع ذلك فإنَّ هدفها - الرامي إلى عرض نقاط قوَّة المظلومين والمحرومين وعدم جعلهم في الوقت نفسه ضحايا - لا يزال قائمًا: في أعمالها وكذلك في صفوف المخرجين والمخرجات، الذين يستلهمون أعمالهم منها.

 

 

كريستوفر ريش
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

تعرض دار سينما أرسنال البرلينية نظرة على أعمال عطيات الأبنودي خلال أربعة أيَّام من الثاني وحتى السابع من تمُّوز/يوليو 2019. ويقدِّم تامر السعيد تعريفًا لجميع الأفلام.
 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.