كما يمكنك مشاهدة العديد من الحجاج الذين يأخذون صور السلفي لهم عند باب الكعبة أو عند أستارها. والبعض منهم يجري مكالماته الهاتفية أثناء السعي بين الصفا والمروة، وكأنه وقت ضائع يجب ملؤه بنشاطات إنسانية منتجة. لم تترك وسائل التواصل الاجتماعي مساحة للخصوصية حتى في العلاقة بين العبد وربه. وقد يخذلك الحظ فتحضر شجارا على أحقية الدور في تقبيل الحجر الأسود قد يتم فيه التدافع بالأيدى. ففي عالم اليوم أصبحت العبادات تشبه الوجبات السريعة التي نملأ بها معدتنا على عجل دون أن تعود على أجسامنا بفائدة تذكر سوى إرواء حاجاته الآنية للطعام. كما أن الترابط بين الإيمان والسلوك الصالح أخذ بالاضمحلال.

الكعبة تبدو كنقطة صغيرة تائهة في زحام الكتل الاسمنتية حولها

وفي حال نظرت إلى الأعلى ستجد العديد من ناطحات السحاب التي تطل على الحرم وتجعل الكعبة تبدو كنقطة صغيرة تائهة في زحام الكتل الاسمنتية حولها. وقد حدث أن كنت على سطح الحرم وطلبت من أحدهم أن يأخذ لي صورة. ففعل وقال: لقد صورت لك برج الساعة كاملا. فأجبته في هذا الموضع تمنيت لو أنك صورت لي الكعبة كاملة. ولكن هذه القصة على بساطتها تصف الانزياح في التركيز في وعي الناس. فالبرج أصبح هو المهيمن على المكان وليس الكعبة.

محلات الوجبات السريعة على باب الحرم مباشرة

أما إذا خرجت من الحرم فستجد العديد من محلات الوجبات السريعة على باب الحرم مباشرة وخاصة ماكدنولدز وبورغر كينغ، في حين قد لا تجد أي محل يقدم الوجبات المحلية. وكذلك يحاط الحرم بعدد كبير من المولات والفنادق الضخمة التي قد تصل كلفة الغرفة الواحدة فيها إلى عشرة آلاف دولار في الليلة. فبعد أن كان الحج يقوم على ثقافة الزهد في الدنيا والمساواة بين الناس، نجحت العولمة في التمييز بين الغني والفقير في العديد من المناسك، إلا أن الأخير قد لا يتمكن أساسا من الوصول إلى مكة، فللسياحة تكاليف مرتفعة حتى لو كانت دينية.

مكة المكرمة مدينة معولمة على مر العصور

لقد كانت مكة المكرمة مدينة معولمة على مر العصور. حيث كانت مفتوحة لجميع الحجاج حتى قبل الإسلام. وتحولت عبر العصور إلى ملتقى ثقافي وحضاري للعديد من الأعراق والقوميات، إلا أنها اليوم دخلت عصر الدولة الحديثة ذات التخطيط المركزي والمذهب الواحد. وهذا أدخلها بدوره إلى عالم العولمة الحديث القائم على الاستهلاك السريع والربح السريع. فبعد أن كانت أسواقها ومرافقها قائمة على فلسفة خدمة الحجاج، أصبحت منشآت المدينة اليوم قائمة على فلسفة الاستهلاك ومعاظمة الأرباح. لا مكان للزهد والتقشف ولا إمكانية للشعور بالمساواة.

لم تخسر مكة المكرمة كمدينة تراثها الإنساني والحضاري العريق فحسب، بل خسرت انسجامها مع روحها ومكانتها كعاصمة مقدسة. فمكة اليوم ربما أصبحت مدينة حديثة ومريحة إلا أنها مدينة بلا تاريخ وبلا هوية. لا أثر فيها لبيوت أو آثار الصحابة الكرام ولا أثر لقصص السيرة. إنها اليوم بقعة صغيرة مقدسة (الكعبة) محاطة بعدد هائل من الفنادق الفارهة وناطحات السحاب. تليهم أحياء فقيرة وعشوائيات.

حال مكة المكرمة اليوم لا ينفصل عن حال العديد من الحواضر العربية في الشرق اليوم. حيث تغلبت الكتل الاسمنتية الصماء على الطراز المعماري العربي ذي الفناء المفتوح والموصول بالسماء.

 وانتصرت الأنانية في السلوك ومعاظمة الأرباح في الأعمال على تراث الأوقاف والتكافل الاجتماعي الذي ساد المنطقة لقرون عديدة، والذي كان من الممكن أن يتحول إلى مؤسسات وطنية حديثة.

ولكن هذا لم يحصل. بل انتشرت ثقافة الوجبات السريعة في أغلب المدن العربية حتى أنك لا تكاد تجد في بعض هذه المدن مطعما يقدم الوجبات المحلية. لذلك قد لا يكون حال مكة المكرمة إلا انعكاسا لحال العالم الإسلامي، حيث تاهت الهوية بين تراث مهمل وتعلق بالقشور وحداثة مصطنعة دون تحديث حقيقي. ومن هذا المنظور، ربما يحمل تشييد برج الساعة نفس الرمزية التي حملها انهيار حائط برلين لدى انتصار الرأسمالية الليبرالية على الشيوعية التي كانت عاصمتها موسكو آنذاك.

الحج تجربة فردية

وفي الختام، رغم كل ما حملته العولمة من تغيرات هائلة على ظروف الحج ومناسكه، إلا أن رحلة الحج تبقى تجربة فردية بامتياز. كل شخص يملك القدرة على الغوص في معانيها والبحث عن ذاته فيها. 

قد تقف أو تجلس في عرفات وتغمض عينيك وتلجأ إلى الله في الدعاء فتحصل السكينة والطمأنينة. قد تتمسك بأستار الكعبة وتدعو الله متضرعا أن يفرج عنك وأن يعينك على نفسك. أو قد تصعد إلى سطح الحرم واضعا الأبراج الضخمة وراء ظهرك والكعبة أمامك تتأمل حركة الناس المنتظمة حولها متعبدا الله بالذكر والتوحيد. كسائر العبادات في الإسلام، فإن الحج يقوم على علاقة خاصة بين العبد وربه. علاقة قائمة على المحبة والصدق والالتزام، لا على المظاهر والطقوس. علاقة تدفعها الرغبة بالاتصال بالله والشعور برعايته والخوف من الانقطاع عنه. وما زال كل حاج يملك أن يؤسس لهذه العلاقة ويرعاها مهما تبدلت الظروف وتغيرت أنماط الحياة.

 

 

غياث بلال

حقوق النشر: غياث بلال/ موقع قنطرة 2017

ar.Qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة