امرأة مسلمة عند ضريح صوفي: لطالما تم التقليل من أهمية دور العالمات في نقل المعرفة التقليدية في الإسلام.

رد ضخم على تهمة تجهيل الإسلام للنساء والمرأة
موسوعة عن عشرة آلاف فقيهة

باحث امتعض من مقال صحيفة لندنية ادعى مسؤولية الإسلام عن ندرة المسلمات المتعلمات فأراد تفنيد ذلك بمقال تحول إلى كتاب ثم إلى موسوعة ضخمة أنجزها في عشرين سنة. تقرير يوليا لي لموقع قنطرة.

في عام 1995، بدأ الدكتور محمد أكرم ندوي البحث عن أعلام النساء ضمن المخطوطات العربية القديمة. وكان يعمل في تلك الفترة كباحث في مركز الدراسات الإسلامية بجامعة أكسفورد وقد أثار امتعاضَعه مقالٌ نشرته صحيفة التايمز اللندنية يدَّعي أنَّ الإسلام هو المسؤول عن ندرة وجود نساء متعلمات في العالم الإسلامي. ولذلك أراد الاعتراض على هذا الادعاء وتفنيده.

وهكذا بدأ بحثه عن نساء فقيهات عالمات، وقد كان يأمل في العثور على أثرٍ لنحو عشرين أو ثلاثين امرأة. وحول ذلك يقول: "لقد لاحظت حينها أنَّ هناك عددًا كبيرًا جدًا من النساء اللواتي كن نشيطات في البحث عن المعرفة. فأحيانًا كنت أجد أحد الفقهاء يكتب: ’لقد تعلَّمت مع أكثر من سبعين امرأة‘. وينقل فقيه غيره حديثًا نبويًا كان قد روي عن أربعمائة امرأة".

من المعروف أنَّ الأحاديث النبوية تمثِّل بالنسبة لكثير من المسلمين ثاني أهم مصدر بعد القرآن. والأحاديث النبوية هي روايات متواترة من حياة النبي محمد حول أشياء يُقال إنَّه قالها أو فعلها أو أقرَّ بها. ولذلك فهي على قدر كبير للغاية من الأهمية بالنسبة للمسلمين، وذلك لأنَّها تترجم رسالة القرآن المجرَّدة إلى ممارسة حياتية محدَّدة. ومن أجل التمكُّن من تقييم صحة رواية حديث ما فقد تعامل الفقهاء المسلمون في فترة مبكِّرة جدًا بشكل نقدي مع مصادر الأحاديث ورواتها.

وبالتالي فقد بدأ الدكتور محمد أكرم ندوي بحثه عن أعلام النساء ضمن مجموعات الأحاديث المعروفة والأقل شهرة وكذلك ضمن السير الذاتية والتقارير، التي كتبها العلماء والفقهاء عن معلميهم - وعن معلماتهم - وقد عثر على ما يفوق توقُّعاته بكثير.

عدد كبير من راويات الحديث والفقيهات

أراد الدكتور محمد أكرم ندوي في البداية كتابة مقال، ولكن هذا المقال تحوَّل إلى كتاب، والكتاب إلى موسوعة. وأخيرًا أكمل عمله الموسوعي هذا في منتصف شهر كانون الثاني/يناير 2021 - بعد أكثر من عشرين عامًا من الجهد والعمل. وفي هذه الموسوعة، التي تقع في ثلاثة وأربعين مجلدًا، توجد سير ذاتية لأكثر من عشرة آلاف امرأة. وحتى أنَّ هذا العدد الكبير من النساء الفقيهات قد فاجأ باحثة الفقة الإسلامي دينا العمري من جامعة مونستر الألمانية:

 

الباحث محمد أكرم ندوي صاحب موسوعة "الوفاء بأسماء النساء" عن دار المنهاج للنشر والتوزيع في السعودية. sits in conversation at a table with various writings and books (photo: Al-Salam Institute)
عشرون عامًا من البحث: لقد بذل الباحث محمد أكرم ندوي جهودًا كبيرة لإخراج هؤلاء النساء الفقيهات من عتمة التاريخ إلى النور. ولكنه مع ذلك ليس ممن يوصفون في ألمانيا بأنَّهم مسلمون ليبراليون. وفي هذا الصدد يقول: "لا، أنا لا أعتقد حقًا أنَّني من مؤيِّدي النزعة النسوية. غير أنَّني أتَّفق مع الحركة النسوية في نقطة: فأنا أعتقد أيضًا أنَّ النساء عانين من القمع والظلم وأنَّنا يجب علينا أن نعمل بجد ونشاط من أجل الدفاع عن حقوقهن ومنحهن ما يستحقِقْن من تكريم".

 

"كنت أعلم بأنَّه كان يوجد الكثير من النساء الفقيهات. ولكن من المدهش أنَّ عددهن كان في النهاية كبيرًا إلى هذا الحدّ وهذا ما يجعل المشروع كله مثيرًا جدًا للاهتمام".

ومن المثير للاهتمام أيضًا القصص، التي نقلها الدكتور محمد أكرم ندوي في موسوعته هذه حول النساء. ومن بين هؤلاء النساء مثلًا امرأة اسمها أمّ الدرداء - كانت فقهية بارزة في دمشق خلال القرن السابع وكانت تتعلم في فترة شبابها مع الرجال وتصلي معهم داخل المسجد وفي المنطقة المخصصة للرجال - وهذا أمر لا يمكن تصوُّره اليوم في الغالبية العظمى من المساجد. أو كذلك الفقية كريمة المروزية، التي عاشت في مكة القرن الحادي عشر؛ ولها نسخة لأهم مجموعة أحاديث نبوية، مجموعة صحيح البخاري، ولا تزال تعتبر نسخةً رئيسيةً حتى يومنا هذا.

وبحسب تقديرات الدكتور محمد أكرم ندوي فإنَّ نحو ربع الأحاديث النبوية روتها نساء. ويبدو أنَّهن لم يكن مجتهدات فقط، بل كن دقيقات أيضًا. "يوجد من بين رواة الأحاديث النبوية عددٌ كبير جدًا من رجال اتهموا بتأليفهم تلك الأحاديث. ومع ذلك فإنَّ جميع علماء الحديث يؤكِّدون على عدم وجود أية امرأة في جميع أصقاع العالم تم اتهامها بالكذب في حديث نبوي. وهذا أمر مدهش".

الرجال اكتسبوا شهرة بينما تم إخفاء النساء

ولكن طالما كان يوجد هذا العدد الكبير جدًا من النساء المتعلمات الفقيهات وقد كن جيِّدات إلى هذا الحدّ - فكيف تم تقريبًا نسيان أسمائهن اليوم؟ يشرح الدكتور محمد أكرم ندوي ذلك بمثال العالم الإسلامي الكبير ابن السمعاني، الذي عاش في القرن الثالث عشر أو الرابع عشر:

"لقد ذكر ابن السمعاني أنَّه كان يريد الدراسة على يدّ امرأة اسمها كريمة: ’لقد طلبت من أخيها مرَّات عديدة أن يسمح لي بالدراسة لديها. ولكنَّ أخاها كان يجد دائمًا مبرِّرات وأعذارًا‘. وهنا يمكننا رؤية المشكلة: فعندما يكون لدى الناس ابن أو أخ فإنَّهم يريدون له أن يشتهر. ولكن عندما تكون لديهم ابنة أو أخت فإنَّهم يفضِّلون إخفاءها".

الغلاف الإنكليزي لأحد أجزاء موسوعة الباحث محمد أكرم ندوي ذات العنوان العربي "الوفاء بأسماء النساء" عن دار المنهاج للنشر والتوزيع في السعودية.  Cover of Mohammad Akram Nadwi's "Al-Muhaddithat: The Women Scholars in Islam" (published by Interface Publications)
ملخص صدر بالإنكيزية عن منشورات إنترفيس للأجزاء الأولى من موسوعة الدكتور محمد أكرم ندوي العربية الصادرة تحت عنوان "الوفاء بأسماء النساء" في ثلاثة وأربعين مجلدًا. كانت للنساء في القرون الأولى من تاريخ الإسلام مكانة عالية كفقيهات عالمات. وكن يسافرن في جميع أنحاء العالم الإسلامي للحصول على العلوم الدينية ونشرها، وقد كان لهن حضور حيوي في أهم المساجد والمدارس. يصف أحد فصول الكتاب كيف كانت النساء ينشطن في تعليم الأحاديث بأهم المساجد والمدارس وكيف انهارت في النهاية ثقافة المعرفة النسائية هذه.

لقد بذل الدكتور محمد أكرم ندوي جهودًا كبيرة لإخراج هؤلاء النساء الفقيهات من عتمة التاريخ إلى النور. ولكنه مع ذلك ليس ممن يوصفون في ألمانيا بأنَّهم مسلمون ليبراليون. بل على العكس من ذلك: فقد عمل أيضًا مع المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين الإسلامية. وعلى الأرجح أنَّه لن يصف نفسه بأنَّه من مؤيِّدي النزعة النسوية.

وفي هذا الصدد يقول الدكتور محمد أكرم ندوي: "لا، أنا لا أعتقد حقًا أنَّني من مؤيِّدي النزعة النسوية. غير أنَّني أتَّفق مع الحركة النسوية في نقطة: فأنا أعتقد أيضًا أنَّ النساء عانين من القمع والظلم وأنَّنا يجب علينا أن نعمل بجد ونشاط من أجل الدفاع عن حقوقهن ومنحهن ما يستحقِقْن من تكريم. أمَّا ما لا أحبُّه فهو سعي الحركة النسوية إلى المساواة بين الرجال والنساء".

مكبوحات باسم التقاليد

وعلى الرغم من ذلك فإنَّ عمله هذا مهم بالنسبة للنساء المسلمات، وذلك: لأنَّ هذا العمل الموسوعي يُقدِّم لهن الحجج، التي يحتجنها في كفاحهن من أجل زيادة مشاركتهن في الرأي، لأنَّ بعض الرجال المسلمين يلجؤون حتى يومنا هذا إلى "الأحاديث النبوية" بهدف إبعاد النساء عن مناصب السلطة، مثلما تقول غونول يرلي.

وغونول يرلي هي نائبة مدير المركز الإسلامي في مدينة بينتْسبِرغ الألمانية وتعتبر بذلك واحدةً من النساء القليلات جدًا اللواتي يتولين إدارة مسجد في ألمانيا. وحول ذلك تقول غونول يرلي لم يكن بإمكان جميع المسلمين في مسجدها بولاية بافاريا الألمانية قبول ذلك في البداية: "لقد قال لي أحد الرجال: ’هل تعلمين أنَّ هناك حديثًا نبويًا يقول لا خير في قوم ولن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأةً‘".

أيضًا دينا العمري تعرف حالات يستخدم فيها الرجال حججًا دينية بهدف تضليل النساء وغشهن. وحول ذلك تقول دينا العمري: "يوجد لدينا أيضًا حديث يُنسب إلى النبي، ويقول: ’إذا دعا الرجلُ امرأتَه إلى فراشه فأبَتْ فباتَ غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى الصباح‘". وتضيف أنَّ "هذا طبعًا مثال شديد للغاية يبيِّن كيف يتم دفع النساء وباستخدام الدين أيضًا إلى فعل شيء لا يردن أصلًا فعله على الإطلاق".

وبما أنَّ مثل هذه الأحاديث منتشرة انتشارًا واسعًا إلى هذا الحدّ فهذا يعود أيضًا إلى سبب عملي جدًا، بحسب غونول يرلي: فالأحاديث النبوية يمكن فهمها بسهولة أكثر من نصوص القرآن المجرَّدة ذات اللغة المعقَّدة. "والقرآن أيضًا لا يقدِّم في الواقع إجابةً عن كلِّ سؤال. وفي الحقيقة يجب القول إنَّ القرآن نادرًا ما يفعل ذلك".

التشكيك في الأحاديث المعادية للنساء

تحاول كلٌّ من غونول يرلي ودينا العمري مواجهة الأحاديث المعادية للنساء وتفنيدها في عملهن في مجال التدريس والرعاية الروحية. حيث توضح دينا العمري، على سبيل المثال، أنَّه من غير المؤكَّد في هذه الأحاديث بشكل خاص إنْ كان النبي محمد قد تفوَّه بها أصلًا، وذلك لأنَّها لم تكن موجودة في أقدم مجموعات الأحاديث النبوية بالذات.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة