رسائل كتبها كارل ماركس في الجزائر

"أبو الشيوعية": ورطة ماركس في جزائر الشرق المسلمة المستعمرة

لماذا أقام الفيلسوف كارل ماركس لبعض الوقت في الجزائر؟ وخلال إقامته فيها تسلى بقراءة صحف كولونيالية وكتب 16 رسالة لابنتيه ورفيقه، فماذا كتب فيها؟ إبراهيم مشارة قرأ رسائل ماركس من الجزائر لموقع قنطرة.

وصل كارل ماركس إلى الجزائر في 20 شباط / فبراير ومكث فيها إلى غاية 02 أيار / مايو من عام 1882 فقد كان يعاني من ذات الجنب والتهاب في القصبة التنفسية. وقد نصحه أطباؤه وبعض رفاقه بمن فيهم إنغلز بضرورة المكوث أسابيع في شمال إفريقيا حيث الشمس مشرقة والهواء صحي.

وكان القصد هو توجه ماركس إلى مدينة بسكرة لكن تردي صحته حال دون توجهه إلى هذه المدينة الداخلية حيث يستغرق السفر إليها أسبوعا ناهيك عن مشاق الرحلة واكتفى بالمكوث في الجزائر العاصمة  حيث أقام بنزل الشرق أولا ثم نزل فكتوريا في شارع ميشليه (ديدوش مراد) اليوم، يزوره الطبيب "اسطفان" في النزل يفحصه ويعالجه بمختلف الأدوية ويوصيه بالمشي والتنزه صباحا والإقلال من القراءة والاكتفاء فقط ببعض الصحف التي لا تتطلب إمعانا في التفكير.

فقد كانت حالته تنتكس أحيانا وتتحسن قليلا، وفي رسائله التي بعثها إلى ابنتيه جيني ولورا لافارج وصديق عمره فريدريك إنغلز يتحدث دائما عن الأرق الذي كان يلازمه وعن السعال الشديد أحيانا حتى إنه بصق دما ذات مرة وعن فقدان الشهية وعن صدمته من كون الجو في الجزائر كان استثنائيا منذ عشر سنوات.

فقد ظلت الأمطار تهطل والبرد شديد والسماء دائما ملبدة بالغيوم وهذا الجو بالذات لا يناسبه، إنه يزيد في معاناته، ولذا لم يكن مستريحا في إقامته بالجزائر وظل ينتظر الرحيل بفارغ الصبر لكن الأطباء لم يسمحوا له بذلك.

إن البقاء في البلد ضروري فهو مرهق وحالته الصحية هشة وعلامات التعب على وجهه ما تزال ظاهرة فالراحة وأخذ الدواء والامتثال للتعليمات الطبية والحرص على الرياضة الصباحية والمتمثلة في النزهة الصباحية لازمة وهذا أمر يتطلب أسابيع إضافية.

الكاتب الجزائري إبراهيم مشارة.
"ماركس لم يُدِن الاستعمار الفرنسي للجزائر": "لقد وجد ماركس نفسه في ورطة فهو لم يُدِن الاستعمار الفرنسي للجزائر لأنه اكتفى بالنظر إليه اقتصاديا - إنه في مصلحة الرأسمالية التي تدخل التحديث الضروري إلى هذا العالم البدوي المتخلف ... فهو ظل مركزيا ولم يكن يعني له الآخر المختلف غير تابع لا حظ له من حضارة ولا من رقي ولا من تاريخ. نظر ماركس إلى الاستعمار الفرنسي للجزائر على أنه عملية تعمير للأرض وهجرات بشرية مثل الهجرات الأوروبية إلى أمريكا وأستراليا"، كما يكتب إبراهيم مشارة.

إعجاب ماركس بالريف الجزائري

لذا يمكن القول إن ماركس أقام على مضض في الجزائر  متسليا بقراءة الصحف الكولونيالية الصادرة في  الجزائر خاصة "المعمر  الصغير " والصحف التي تصله مع البريد من أوروبا ويتسلى بكتابة الرسائل إلى إنغلز وابنتيه جيني ولورا لافارج. وقد كتب خلال إقامته في الجزائر 16 رسالة أغلبها إلى جيني وإنغلز .

لم يتحرك ماركس خلال إقامته في مدينة الجزائر كثيرا حيث كانت آنذاك تقسم إلى ناحيتين مصطفى الأعلى حيث شارع "ميشليه "و"اسلي" (العربي بن  مهيدي) اليوم ومصطفى الأدنى حيث حديقة التجارب  وقد زارها مرة، إذْ كانت نزهة ماركس اليومية وغالبا صباحا في ناحية شارع ديدوش مراد أو العربي بن مهيدي.

وقد سجل ماركس في إحدى رسائله إعجابه بالريف الجزائري أي ضواحي مدينة الجزائر حيث أبعد في خرجاته هذه المرة وامتدح كثيرا دفء العاصمة وجمال الجو والشمس مسفرة والإطلالة البحرية على خليج الجزائر كما امتدح كثيرا الاخضرار والزهور التي تزين بعض المناطق وفيما عدا ذلك ظل يستعد للرحيل.

فالآلام والأرق والسعال ظل يلازمه وأنحى باللائمة على إنغلز الذي من فرط حبه لصديقه حرص على رحيله للاستشفاء -وقد قتله حبا كما قال- لولا أن الحظ كان عاثرا فالجو كان مكفهرا، باردا متلبدا إلا من أيام قليلة تشرق فيها الشمس ويعتدل الجو.

إذا هي رسائل قصيرة فقد كانت حالته لا تسمح له بالإطناب كما لا تسمح له بالتنزه بعيدا واكتشاف مناطق هذا البلد الإفريقي وعاداته وتقاليده وثقافته ومعاناته من الاستعمار الوخيم الذي دمر كل البنى التحتية والفوقية وكان بحق أجرم استعمار في القرن التاسع عشر والعشرين معا.

معرفة سطحية يحملها ماركس والمفكرون الغربيون عن الآخر المختلف

إن الذي يهم في هذه الرسائل اكتشاف مدى المعرفة السطحية التي يحملها ماركس والمفكرون الغربيون عن الآخر المختلف خاصة إفريقيا والعالم العربي ومن ثمة كانت مقولاتهم وتنظيراتهم أوروبية محضة، ثقافة متمركزة على ذاتها حيث تهيمن نرجسية متعالية فالحضارة البيضاء هي المتن والمركز وغيرها هو الآخر غير الأبيض، الهامش  والحاشية واعتراف ضمني بأن الآخر ليس عنده ما يستحق النظر أو الاهتمام.

ولا أدل على ذلك من سذاجة المعلومات الجغرافية والتاريخية عن البلد والاكتفاء بالاطلاع عليها نتفا من موسوعات وقواميس ذلك العصر وهي لا تخلو من ابتسار وأخطاء بكافة أنواعها.

ورطة ماركس في الجزائر

ولقد وجد ماركس نفسه في ورطة فهو لم يُدِن الاستعمار الفرنسي للجزائر لأنه اكتفى بالنظر إليه اقتصاديا - إنه في مصلحة الرأسمالية التي تدخل التحديث الضروري إلى هذا العالم البدوي المتخلف.

إنه تغاضٍ سياسي وتركيز على الجانب الاقتصادي  للاستعمار حيث تتأزم الرأسمالية وتبحث عن حلول لأزماتها بتشجيع الهجرات وما يتبع ذلك من اكتشاف للموارد الأولية وهجرة لرؤوس الأموال ومن ثَمَّ خلق ديناميكية اقتصادية وتجارية وصناعية وعلمية وثقافية في تلك البلاد المتخلفة منددا أحيانا من الناحية الأخلاقية بالفظاعة التي يرتكبها الجنود الفرنسيون والاستعمال الزائد للقوة وواصفا المعمرين الجشعين باللصوص أو بنات آوى الذين استولوا على أرض الأهالي ودمروا الملكية الجماعية للأرض (المشاعية) وبالتالي قضوا على الرابطة الأسرية والدموية وارتباط الأهالي بالأرض.

وهي حيلة كان يهدف المعمرون من خلالها إلى تشتيت العائلات بتشجيع الملكية الفردية بامتلاك الغير للأراضي وبذر بذور الفرقة والانقسام بينها حتى لا يتهيأ أمر الوحدة والتمرد جماعيا.

ندد بهذا لكن لم يندد بالاستعمار على أنه انتهاك للحق الإنساني وبربرية وجرائم للرجل الأبيض باسم نشر الحضارة والتمدين وهذه إحدى ورطات ماركس.

 

 

فهو ظل مركزيا ولم يكن يعني له الآخر المختلف غير تابع لا حظ له من حضارة ولا من رقي ولا من تاريخ. نظر ماركس إلى الاستعمار الفرنسي للجزائر على أنه عملية تعمير للأرض وهجرات بشرية مثل الهجرات الأوروبية إلى أمريكا وأستراليا.

فهؤلاء المعمرون الأوروبيون بنوا حضارة ونشروا التقدم وتطورت الحياة والمعارف العلمية والحضارية بهجرة أولئك المعمرين ولكن ماركس لم يتذكر كافة أشكال الإبادة التي تعرض لها الهنود الحمر والتي كانت بالملايين، ولم ينظر في الاستعمار من الناحية الثقافية حيث يطغى عليه الشعور بالتفوق والغلبة فيبيد الثقافة الأخرى لصالح ثقافته المتنصرة والمهيمنة وهذي جريمة أخرى من جرائم الاستعمار.

نظرة ماركس الاقتصادية البحتة للاستعمار

نظرة ماركس للاستعمار الفرنسي للجزائر نظرة اقتصادية بحتة أهملت الجانب الحضاري والثقافي والإنساني واهتمت بالجانب الاقتصادي، حيث تحتل النظرية المادية حجر الزاوية في تنظيراته وهذه إحدى مآزق كتاباته فهي فكر مركزي منغلق على ذاته فالواقع ليس إلا مقولة غربية.

في إحدى رسائله إلى لورا لافارج يكتب ماركس ما يلي: "كان المنظر مدهشا كان بعض أولئك المغاربة يرفل في ثياب أنيقة بل فاخرة وكان بعضهم الآخر يرتدي ما سأجرؤ على وصفه بأنه بلوزات كانت فيما غبر من الصوف الأبيض وحالت اليوم إلى مزق وأسمال لكن مثل هذه الاحتمالات من يسر وعسر لا يمكن في نظر المسلم الحق أن تقيم من فروق بين أبناء محمد وهي لا تؤثر في شيء على المساواة المطلقة التي يظهرونها في علاقاتهم الاجتماعية".

كتب هذه الرسالة بعد زيارة قام بها إلى حديقة التجارب بالحامة وقد رأى مقهى في الهواء الطلق يجتمع بعض الشباب والكهول من الأهالي على موائد خشبية يلعبون لعبة الأوراق ويرتشفون القهوة العربية الإعداد.

نظرية ماركس "الصراع الطبقي" لم تفسر الحميمية بين موسرين ومعدمين مسلمين

وواضح أن ماركس وجد نظريته في الصراع الطبقي لم تفسر سبب هذا الاجتماع الحميم بين موسرين ومعدمين وهم يلعبون الورق ويحتسون القهوة فمن المفروض أن الصراع الطبقي والحقد الطبقي لا يترك فرصة لاجتماع الموسرين والمعدمين بهذا الدفء والحميمية والروح الأخوية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة