سياسات جنسانية فرنكو ـ عثمانية

وينقل المؤلف عن الشيخ الطباخ تفسيره لأسباب فتح وترخيص بيوت الدعارة في حلب، إذ يرى الأخير أن الهدف الرئيس من إنشائها كان حصر وتنظيم عمل المومسات في أماكن محدودة منعاً لتواجدهن في مختلف الأحياء، إضافة إلى فرض رقابة صحية وأمنية عليهن. أما الشيخ الغزي فيؤكد من جانبه في كتابه «نهر الذهب في تاريخ حلب» عن طائفة من الأمور التي جعلت الناس ينفرون من الحكومة العثمانية في أواخر أيامها «فقد فُتِح فيها بصفة رسمية ما ينوف على مئتي بيت يجمعها اسم المنزول أي الماخور».

ويعتقد الكاتب أن ترخيص العمل بمهنة الدعارة بات أمراً مألوفاً في أواسط ونهايات القرن التاسع عشر في الولايات العثمانية. وهذا لا يعني غياب هذه البيوت غير المرخصة قبل هذه الفترة، لكنها مع فترة الإصلاحات العثمانية غدت قانونية. يبدو أنها افتُتِحت خلال حرب القرم بين عامي 1853 /1856 بهدف سد الحاجة الجنسية للمحاربين القادمين من الولايات العثمانية، إذ كان الجنود يتجمّعون في إسطنبول استعداداً لإرسالهم إلى مواقع المعارك التي كانت تخوضها الدولة العثمانية. ويبدو أن هذا التنظيم لبيوت الدعارة شمل عدداً من المدن العثمانية والإقليمية. في هذا السياق، ينشر محفوظ ترخيص بيت دعارة صادرا عن الإدارة المحلية في مصر، فنقرأ في الوثيقة «قرار نظارة الداخلية وتصديق مجلس النظار المؤرخة سنة 1302 هجرية الموافق أول يونيو/حزيران سنة 1885 ميلادية القاضية بأن كل من يرغب من الأوروبيين أو من أبناء العرب فتح محل العاهرات يجب عليه أولاً أخذ رخصة بذلك من الإدارة المحلية».

وعلى صعيد حلب، يشير محفوط إلى أن والي حلب رائف باشا سمح في عام 1900 بفتح بيوت الفحش. وقد أثار هذا القرار رد فعل سلبي من قبل علماء وشيوخ المدينة، كما في حال الشيخ محمد راغب الطباخ، الذي أكّد على دناءة هذا القرار ودوره في تفشي أمر الزنى بين أبناء الشهباء وما حولها. وما لفت نظرنا في رد الطباخ أنه لا يعتمد فقط على الحجج الأخلاقية، بل نراه بشكل أو بآخر يرسل خطة بديلة (نشرها كمقال في جريدة «الاتحاد العثماني») إلى السلطات لإعادة النظر في هذه السياسات الجنسانية، إذ يقترح عليهم أن يعطوا الجندي «إذن سفر لزيارة زوجاته ليعاشرها، ينجم عن ذلك إحصان نفسه وحفظها من الوقوع في ما لا يرضى الله تعالى».

 وما يعكسه موقف الطباخ هو أن السيطرة على بيوت الدعارة في تلك الفترة لم تكن نتيجة حرب القرم فقط، بل جاءت كانعكاس لعالم الإصلاحات العثمانية، وما فرضته من آليات سيطرة جديدة على السكان وعلى حياتهم اليومية والصحية والجنسية، كما يرى المؤرخ التركي جينكيز كيرلي. وقد نقلت آليات السيطرة المعقدة هذه الحديثَ عن الجنس من دائرة النقاش الأخلاقي إلى دائرة السيطرة العقلانية، لذلك يمكن القول إن الطباخ كان مدركاً ربما لهذا التحول، ولذلك نجده يعارض سياسات السلطة عبر تقنيات شبيهة (كما ينبهنا فوكو في سياق حديثه عن السلطة والمقاومة) لتقنيات السلطة..»وفي ذلك (خطته الجنسية) يقي نفسه (الجندي) من الأمراض الجنسية مثل داء الزهري أو الإفرنكي المنتشرين آنذاك، كما أنه يساعد على زيادة النسل». وبالتالي، بدلاً من خطاب الأخلاق الذي اعتمده العلماء للحد من ظاهرة الجنس غير المشروع، نجد أن الطباخ يتجاوز هذا الخطاب (تقنيات النفس) لصالح خطاب قريب من خطاب وسياسات سلطة التنظيمات (تقنيات الذات) يتمحور حول ضبط هذه الظاهرة بأسلوب آخر.

يكمل محفوظ سرده لتاريخ بيوت الدعارة، ليصل إلى مرحلة الانتداب الفرنسي في سوريا 1920 إلى عام 1946. هنا يرى «أن السلطات الفرنسية لم تجد حرجاً من انتشار تلك الأماكن في المدينة… بل اعتقد أن سياستها شجعت وساعدت على ازدهار ونمو قطاع الدعارة في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي داخل المدينة».

لا يذكر لنا المؤلف مصدر يقينه حول دور الفرنسيين في نشر بيوت الدعارة، كما أن الأسدي والطباخ وقبلهم الغزي، رغم إشارتهم لهذه الظاهرة وأماكن وجودها، لا يسعفوننا كثيراً في هذا الجانب وفي فهم سياسات الانتداب الجنسانية، كل ما نمتلكه هنا إذن شكوكا بدور المستعمر السيئة، وفي ظل هذه المعادلة، لم يعد أمامنا سوى مقارنة السياسات الجنسية الفرنسية في حلب بمثيلاتها في بيروت في الفترة نفسها. إذ لاحظ ينس هانس في دراسته لتقرير بنوا بوييه «أحوال العادات الصحية في بيروت» الذي نشر في ليون عام 1897، أنه لم يكن مدفوعاً برغبات شبقة ولا بغزوات جنسية. كان الاحتواء هو مهمته الشاملة: حاويات مختومة من البراز الإنساني، وعاهرات معزولات في مناطق تضبطها الشرطة أمنياً. أصر بوييه على أن أحياء بيروت الجديدة تتطلب تدخّل الدولة في تصريف المجاري مروراً بعادات النوم. وفي موضوع المواخير الموجودة، وجد بوييه أنها لم تكن معزولة بالشكل الكافي ولا معينة بحدود تميزها عن باقي أنحاء المدينة، كما يجب إبعاد الأجانب عنها، ذلك أن هذا المنع يساعد على تمتين خط المواجهة الأول ضد انتقال الأمراض الجنسية من آسيا إلى أوروبا .

وبالعودة إلى مدينة حلب، وكما أشرنا في ظل غياب مصادر متوفرة، يمكن القول إن السياسات الفرنسية في حلب لم تكن تختلف كثيراً عن سياساتها في بيروت، في ضبط بيوت الدعارة (وليس انتشارها) ولعل ما يدعم هذه الاستنتاج هو الخطة التي وضعها المهندس الفرنسي شارل غودار في حلب 1938، إذ نعثر في هذه الخطة على سياسات بيولوجية في المدينة شبيهة بالسياسات التي اقترحها بوييه. فثلاثية المجاري والصحة والزبالة هي التي شغلت باله في سياق انتزاع الأحشاء من داخل المدينة، كما أنه يوصي بضرورة وضع سياسات صحية و«تنظيم شرطة لمراقبة الأخلاق العامة»، لذلك نعتقد أن فرنسا حاولت ضبط هذه البيوت بتقنيات شبيهة بالسياسات العثمانية وتقوم على فكرة الضبط والاحتواء وليس الانتشار.
 

بحسيتا: بين الذاكرة النصية والذاكرة الشفوية
 

كان أهالي حلب يطلقون على بيوت الدعارة أسماء منها: دار البغاء، بيوت الدعارة، المنزول، الكرخانة. ويعدُّ حي بحسيتا الحي الذي تركزت فيه هذه البيوت حتى منتصف الخمسينيات والستينيات داخل المدينة. ينقل محفوظ عن الغزي، في معرض حديث الأخير عن حي بحسيتا، أن أغلب سكان هذه المنطقة كانوا من العائلات اليهودية وأشهرهم آل جداع، وآل ساسون، كما تواجدت بعض العائلات المسلمة مثل آل رجب باشا وآل الشعباني وآل عابدين آغا.

ومن بين الأمور الطريفة التي يذكرها محفوظ في سياق بحثه في تاريخ حي بحسيتا ومعنى اسم «بحسيتا»، وربما لم نجد إجابة عنها، هي المفارقة بين ذاكرة مؤرخي المدينة عن الحي والذاكرة الشفوية لأهالي المدينة، ففي تعريف بحسيتا، يذكر الأسدي نقلاً عن الغزي والطباخ أن اسم بحسيتا محرف من «باح سيتا» أي باح بالسر، وهو رجل صالح مدفون في مسجد سيتا. في مقابل هذا الاسم المشحون بالمقدس والطهارة، ينقل لنا محفوظ ذاكرة هذا الحي في الوعي الشعبي الحلبي.

وفي هذا السياق يذكر كلاماً للباحث علاء السيد الذي يقول في دراسة له حول حي بحسيتا :»ما ذكرت بحسيتا أمام حلبي، إلا وابتسم» في إشارة إلى تاريخ بيوت الدعارة في هذه الحي. ولا نملك إجابة كافية حول هذا التناقض بين الذاكرة النصية والذاكرة الشفوية، وربما تحتاج إلى بحث أوسع، بيد أن ما نعلمه جيداً هو أن إياد محفوظ نجح في الكشف عن المرويات الشفوية المكتومة حول بيوت الخفاء في حلب الشهباء...

 

محمد تركي الربيعو

حقوق النشر: محمد تركي الربيعو 2019

محمد تركي الربيعو كاتب وباحث سوري . يركز في مقالاته على الأدوات الانتربولوجية والسوسيولوجية وهو يرصد ما يكتب في الحقل الأنتربولوجي حول منطقة الشرق الأوسط.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.