عبد الرزاق قرنح الفائز بجائزة نوبل للآداب لعام 2021.

رواية "الجنة" للفائز بنوبل عبد الرزاق قرنح
الحرية غير قابلة للانتزاع

بعد فوزه بجائزة نوبل للأدب 2021 برزت أيضا ترجمة روايته بالألمانية بعنوان "الفردوس المفقود" لتقلب بإذهال النظرة السائدة عن الاستعمار رأسا على عقب. تحليل فيليكس شتيفان.

يمكننا أن نجد واحدًا من أكثر المُتناقِضات حضورًا في الأدب المعاصر في أمريكا، وذلك في المجال الشاسع المعروف بـ "روايات ما بعد الاستعمار". من جهة، يسعى هذا النوع من الأدب إلى القضاء على المركزية الأوروبية بصورة نهائية؛ ومن جهة ثانية، لا يوجد كتاب آخر أكثر اقتِباسًا يقتبس منه هذا الضَّرب الأدبيّ كاقتباسه من الإنجيل. مرَّةً تلو الأخرى، نتعرَّف في أعمال الكاتب الأمريكي تا نِهيسي كُوتس – من روايات، ورسوم متحركة، وأفلام – على تنويعات مختلِفة على موضوع المُخَلِّص المَسيحائيّ. ورواية جيمس بالدوين "اِذهَب واحكِها على الجبَل" ما هي إلا تنويعة ألمَعِيَّة على أغاني الـ "غُوسپل" المسيحية في جنوب الولايات المتحدة. حتى الكاتبة والناشطة أماندا جُورمان تلجأ إلى إشارات توراتية في أشعارها، كي تُبيّن لنا مدى انحدار الجنس البشري.

في ظل هذه الحقائق، ربما من المهم أن نذكُر أنّ رواية "الجنَّة" التي كتبَها الروائي التنزانيّ المولد عبدالرزاق قُرنَح – الفائز بجائزة نوبل للأدب لعام 2021 – ليست مُوغِلة في الإنجيل، بل في القرآن. تدور أحداث الرواية في العَقد الثاني من القرن العشرين في ناحية من إفريقيا تُعرَف الآن بِاسم "تنزانيا"، إلا أنّها كانت آنذاك جزءًا من مستعمَرة "شرق إفريقيا الألمانية". وعلى مدى قرون، كان التبادل الثقافي الرئيسي في المنطقة متمثلًا في التجارة مع بلاد العرب والهند. على الإجمال، لم يكن سكان هذه البقعة يعيرون، وما انفكوا كذلك، أيّ اهتمام لأوروبا. إذ كان الساحل الشرقيّ لإفريقيا في القرن التاسع عشر خليطًا من الثقافات المتعددة. الكل يتكلم لغة مُركَّبة من السَّواحلية والعربية؛ ولا تتمركَز الأماكن البعيدة التي تتكلم عنها شخصيات الرواية عبر حكاياتٍ عجيبة في لندن أو في باريس، بل في بومباي وغُوجرات.

في هذه الظروف – أو بالتحديد في عالم عائلة مَعسُورة الحال تسكُن قريةً نائية – يُولَد طفل اسمه يوسف. منذ انطلاق أحداث الرواية، تعكس حياة هذا الطفل تلك التي عاشها سميُّه النَّبيّ يوسف وفقًا لرواية القرآن. ومثلما في رواية الإنجيل، يُؤتَى بيوسف إلى مصر طفلًا، ثم يُباع بثمن بخس إلى أحد ضُبَّاط فرعون [عزيز مصر]. يُوَلَّى يوسف النَّبيّ فيما بعد أمينًا على خزائن مصر. لكن قبل ذلك، يَكبر الصَّبي ليُصبح شابًّا يمتلك حُسنًا وجمالًا، تُفتَن به زوجة الضابط [امرأة العزيز]. حين تحاول أن تراودَه عن نفسه، يتمنَّع يوسف عنها. ومن شدة شعورها بالإهانة، تتهمه الزوجة بأنّه هو الذي راوَدها عن نفسها، وتُدبِّر له مكيدةً تودعه السجن.

 قرونٌ من تجارة الرَّقيق في شرق إفريقيا

قصة يوسف في رواية قُرنَح مشابهة لقصة النَّبيّ يوسف بطريقة استثنائية. حين يَفقِد والد الطفل المقدرة على إيفاء ديونه المتراكِمة، يُباع يوسف لتاجر يُناديه الطفل بِاسم "العمّ عزيز". يوسف على قناعة بأنّ عزيز هو عمّه بالفعل. ومن هذه اللحظة فصاعدًا، يعمل يوسف في دُكّان العمّ عزيز في بلدة تجارية صغيرة على الساحل. بعد سنوات، تُغرَم زوجة التاجر بجمال يوسف، تحاول أن تغويه، ويَستَعصِم عنها، فتتَّهمه علنًا بأنّه حاول الاعتداء عليها.

الغلاف الإنكليزي لرواية عبدالرزاق قُرنَح "الجنَّة" (بلومزبري للنَّشر) Cover of Abdulrazak Gurnah's "Paradise" (published by Bloomsbury)
رواية "الجنَّة" لعبدالرزاق قُرنَح هي نسيج درامي غنِيّ بالأساطير، والأحلام، والمَرويَّات التوراتية والقرآنية. هي حكاية طفل يبلغ سنَّ الرُّشد في إحدى بلاد إفريقيا، تلك القارَّة التي أفسَدها الاستعمار والعُنف المُتفشي في أرجائها.

كما في قصَّة النَّبيّ يوسف في القرآن، تُلازم يوسف الأحلام التنبُّوئيَّة في رواية قُرنَح، إلى أن ينتهي به الحال إلى تعيينه أمينًا على مخزن سيّده، بعد أن ابتاعَه الأخير من عائلته، إلا أنّ يوسف لا يعي حقيقة وضعه بأنّه عبدٌ لسيّده، وبأنّه لن يرى والديه مرَّةً ثانية. لقرون – وحتى قبل الاستعمار الأوروبي للمنطقة – كانت تجارة الرَّقيق مزدهرةً في شرق إفريقيا. والأهم من ذلك، كان العرب هم من زاوَل هذه المهنة.

آخِذين بالاعتبار الحساسيَّات ما بعد الاستعمارية في أوروبا والولايات المتحدة، نجدُ أمامنا محاولة جريئة وغير مسبوقة لطرح مواضيع تتعلَّق بتنزانيا في مرحلة ما قبل الاستعمار، عبر حكاية عن العبودية، سيرة بطلها مستوحاة من القرآن – الكتاب المُبَجَّل عند المسلمين العرب – وهُم أنفسهم الذين توَلَّوا تجارة الرَّقيق في تلك الأنحاء.

يواجه قُرنَح قبل كل شيء، وبجدارة، مسؤولية الكتابة عن عالم تَمّ محوه بالكامل من قِبَل الأوروبيين، مع مراعاة عدم وصفه بالعالم المثالي، كي لا ينتقص من قدره الطبيعي.  

كما أنّ قُرنَح يستَبعِد المفهوم العام – والعقيم فكريًّا –  بأنّ الأفارقة كانوا يعيشون بسلام وانسجام قبل سَلب ونَهب الأوروبيين لقارَّتهم. وإنْ أخذنا بالاعتبار الاستبداد الهمجيّ وقانون الغاب اللذين كانا سائدَين حينذاك فسنجد أنّه من الصعب تخيُّل أنّ أحدًا قد يشتاق إلى تنزانيا التي نتعرَّف إليها في كتاب جُرنَح.

ذلك لأنّ تنزانيا التي في الرواية هي حيث يقوم الآباء بِرَهن أطفالهم كضمان تجاري، وحيث يَخطِف تجار الرَّقيق في وضَح النهار بناتٍ بالكأد يَبلُغن الخامسة من العمر، وحيث تُناقَش في العلَن قصص الاعتداء على الأطفال أثناء احتساء الشاي على ناصية الشارع، وكأنهم يتحدثون عن سباق للخيل، وحيث تُصدَر أوامر بتنفيذ عقوباتٍ علنيَّة بأسرع من لَمح البصر، فيما يهتف المارَّة بهتافاتهم أثناء فُرجَة التعذيب. 

تُخبِرنا الرواية عن عالم كان قد وصل إلى مرحلة الانهيار من تلقاء نفسه، دون تدخُّل الأوروبيين. هو عالمٌ لن يتمكن من استعادة براءته لأنّ أهوال الاستعمار كانت على وشك أن تتهاوَى عليه.

كان قُرنَح في السادسة عشرة من عمره عام 1964، حين حصلَت تنزانيا على استقلالها. كانت جزيرة زنجبار شبه المستقلة آنذاك قد آلت إلى حرب أهلية، وبضراوة لم تَرَ القارَّة الإفريقية لها مثيلًا، سوى في رواندا. وكأنّ موسمًا مفتوحًا لقتل ذوي العِرقيَّات العربية والهندية قد أُعلِنت بدايته. دون سابق إنذار، أضحَت الحياة اليومية غارقةً في عُنف غير مسبوق، لدرجة أنّ أيّ رومانسية بَلاغية لوَصف ما كانت عليه إفريقيا قبل الاستعمار غابت عن مخيلة قُرنَح الشابّ إلى الأبد. في إحدى المقابلات التي أُجريَت معه في جامعة "كِنت" التي يعمل بها، تكلَّم قُرنَح عن حادثة وقعَت أثناء تلك الفترة الحرجة، حين اقتحم رجلٌ مسلَّح أحد المساجد وأطلق النار على كل من كان في المسجد، بما فيهم الأطفال. لم يُتَّخَذ أيّ إجراء أمنيّ للتعامل مع هذه الحادثة، "وكأنّ شيئًا لم يكُن".

 التَّوق إلى الحريَّة

في هذا الصَّدد، لا تُركز فحوى الرواية كثيرًا على تقسيم لائمة الاستعمار ما بين أوروبا الإمبريالية وبين بلدان الهامش الإفريقي، بل تُركز أكثر على مفهومَين مختلِفَين للحريَّة؛ وهما بالتحديد، مَذهبَي الرواقيَّة والأبيقوريَّة [في الفلسفة اليونانية]، كما أسماهُما السياسي الألماني كارلو شمِيد. وفقًا لمبدأ الرواقيَّة، فإنّ القادرين على المشارَكة في الحياة العامَّة هُم الأحرار دون غيرهم. في هذه الحالة، تُصبِح حقوق المرء شيئًا ضروريًّا لا محالة. من ناحية ثانية، يُعطي مبدأ الأبيقوريَّة مكانًا واسعًا للحريَّة الداخلية – والتي يُمكِن حتى للعبد أن يحصلَ عليها – عبر إبداء الإعجاب بحديقةٍ ما، على سبيل المثال، ومن ثمّ السَّماح لأفكاره بأن تلعَب في خَلَده.

حين يستوعب يوسف حقيقة الأمر بأنّه ما هو إلا عبدٌ مملوك، وبأنّ العمّ عزيز ليس عمَّه بل مالكه، يلجأ إلى كل عبدٍ من العبيد الذين أُجبِروا على العمل عند التاجر، ليناقش وإيّاهم فُرَص الفِرار. وفقًا لرؤية كارلو شمِيد، يَتبَع يوسف النَّهج الرّواقي؛ لأنّه يسعى إلى الحريَّة من قيود العبودية. ولهذه الغاية، وَجَب عليه أن يتخلَّص من سلاسل النِّخاسة.

كان يوسف قد رأى "جزيرة الغابة"، فأخذ يُخبر العبيد الذين كانوا في انتظاره بأنّ هناك "أرضاً واسعة حمراء"، تتدفَّق فيها الشَّلالات، ولها من الجَمال ما لا عينٌ رَأت؛ وبأنّها كاملة مُكمَّلة. "يُمكِن أن تَسمعوا صوت الإله وهو يتنفَّس. (...) كلُّ شيء يَخفُق ويَهدِر ويهتَزّ في صَخَب." على حدِّ قول يوسف، مَثل تلك المنطقة النَّائية كمَثل "أبواب الجنَّة الثمانية."

لسببٍ ما أو لآخَر، لا يُبدي العبيد الآخرون أيّ اهتمام بمفهوم الحريَّة. فيقول له صديقه – وهو عبدٌ مثله – على سبيل المثال: "ومن يسكُن الجنَّة؟ ما هم إلّا رَعاع ولصوص يسرقون التجار الأُمَناء، ويبيعون إخوتهم كما تُباع الحَلي الرَّخيصة."

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة