الجَنائنِيّ الطاعِن في السِّن، مزي حمداني، الذي عُرضَت عليه حريَّته من ذي قبل ورفَضها، يستجيب إلى يوسف بأسلوب أبيقوريّ صِرف: "حين يُخبِرك أحد هؤلاء السادة بأنّنا من مَتاعِهم، وبأنّهم يَملِكوننا، فكأنّهم يَصِفون هطول الأمطار وتوقُّفها، أو غروب الشمس آخر النهار. في اليوم التالي، ستشرق الشمس من جديد، سواء قَبلوا بهذا أم لم يقبَلوا. وهكذا الحال مع الحريَّة. بإمكانهم أن يَسجُنوننا، أو أن يُقَيّدوننا بالسَّلاسل، وأن ينتهكوا أبسط آمالنا؛ إلّا أنّ الحريَّة ليست بالشيء الذي يُمكِن انتزاعه." لا يكاد يوسف يُصَدِّق ما يسمع: مِن كل العبيد الذين يَملِكهم التاجر، هذا الجَنائنِيّ هو الوحيد الذي يرغب بالإدبار بأيّ طريقةٍ كانت بينما يختار الباقون حياة الاستعباد على حياة الحريَّة.

 

 

إلى يوم كتابة التاريخ هذا المقال، بالكأد يُبدي الألمان أيّ اهتمام بروايات عبدالرزاق قُرنَح، رغم حضورهم المُلفِت في فصولها. فقد كانت تنزانيا مستعمَرة ألمانية حتى عام 1918. ومن ثمّ، نقرأ عن ضُبَّاط القيصر فيلهِلم الثاني [قيصر إمبراطورية الرَّايخ الثاني] وهم يلهَثون ويتصبَّبُون عرَقًا أثناء التمارين الحربية، ويتقدَّمون بمشيَتهم العسكرية عبر معالم وتضاريس رواية قُرنَح. يُوشِك أن يكون تصويرُه لشخصيَّاتهم رَؤوفَ النَّبرة: حُمر الوَجنات، مِثليُّون مُرهَفو الحِسّ يقرأون مسرحيَّات فريدريش شيلر، وبالكأد يعقِلون كيف وصلَ بهم الحال إلى هذه البقعة القاسية الرّطبة في أقاصي الأرض؛ فيما يُلقون بالعذاب جُزافًا على السُّكان الأصليين، ويُنَفِذُّون فيهم أحكام الإعدام شنقًا، ويُجبرونهم على التَّراصُف في الخط كمُشاة العسكر، اِثنين بجانب كل اِثنين منهم. "كان التُّجار يتحدَّثون عن الأوروبيين باستِعجاب،" يكتب قُرنَح في إحدى الفقرات، "مُتهَيِّبين من عُنفهم وهمجيَّتهم."

من ناحية أُخرى، فإنّ مَجيء الأوروبيين يعني فُرَصًا جديدة لبعض شخصيَّات الرواية: فتزداد الصعوبة في التجارة العربية للرَّقيق؛ وتَكثُر الفرص الجديدة للأعمال التجارية. في أحد المَشاهِد، نجدُ أنّ الألماني هو الذي يُنقِذ حياة يوسف في اللحظة الأخيرة. وحين يأتي الأمر لتحمُّل مسؤولية الجرائم التي اقتُرفَت عبر عدَّة قرون في المنطقة التي تُعرَف الآن بِتنزانيا، يلجأ قُرنَح إلى تعقيد الجِدال ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

تنتهي حكاية "الجنَّة" بالخَبطِ الإيقاعيّ للقُوَّات الألمانية وهي تدخُل إحدى القُرى الهادئة، مُنذِرةً في مشيتها العسكرية بكارثة على وشك الوقوع: الحرب العالمية الأولى. تلك الحرب التي شُنَّت بوحشية على خطوط الحدود ما بين المستعمَرات الإنجليزية والألمانية. بمَحض الصُّدفة، تشبه هذه الصورة الختامية إلى حد كبير نظيرتها في رواية "الجبَل السحريّ" للأديب الألماني توماس مان، الذي لم يكُن أقل ولعًا من عبدالرزاق قُرنَح بشخصية يوسف. 

 

 

 

فيليكس شتيفان

ترجمة: ريم الكيلاني

حقوق النشر: زود دويتشه تسايتونغ /  موقع قنطرة 2022

ar.Qantara.de

 

 حين تم إعلان عبدالرزاق قُرنَح فائزًا بجائزة نوبل للأدب لعام 2021، كانت الترجمة الألمانية لروايته "الجنَّة" قد نفِدت طبعاتها. وفي أوائل شهر ديسمبر 2021، خرجَت طبعات الكتاب مرَّةً أُخرى للأسواق. رواية "الجنَّة" تَقلِب النظرة الثَّنَويَّة السائدة عن الاستعمار رأسًا على عَقِب، وبأسلوب مذهل للغاية، وفق ما يرى فيليكس شتيفان الذي قرأ الترجمة الألمانية للرواية المكتوبة بالإنكليزية.

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة