وشخصية عامل النظافة،  كما يُدعى في الرواية،  وهو شخص متعلم دارس للفلسفة أجبرته ظروف الحياة على العمل مستخدما في ملجأ للاستشفاء متنقلا بين غرفه سابحا في عوالم ساكنيه.

غلاف رواية " شارع بودين " للروائي السوري عبد الحكيم شباط صادرة عن دار الدليل للطباعة والنشر في برلين (2017).
هواجس اندماج المهاجرين العرب الوافدين بأعداد كبيرة في الثقافة الألمانية: "شخصية كارل أحد قاطني شارع بودين الذي يتحول بقدرة قادر من مسيحي يزور الكنيسة بانتظام إلى مسلم متدين تتكشف له عوالم الجالية العربية المسلمة في بودين وتتراءى له أحوالها التي تعتريها الكثير من التناقضات وتتجلى أبرزها في ذلك الخلط الخطير بين السياسة والدين، وتوظيف هذا الأخير لتحقيق أهداف ومصالح سياسية ولقضاء مآرب خاصة...والحال إن دل على شيء فإنما يدل على رغبة خفية لدى المؤلف في إماطة اللثام عن قضايا وهواجس محددة تشغل عقله وتسكن باله وبال البرلينيين والمتمثلة في مسألة اندماج المهاجرين العرب الوافدين بأعداد كبيرة في الثقافة الألمانية، وسبل العيش المشترك بين الجميع كواجب أخلاقي يحقق شرط الانتماء للإنسانية"، كما يرى عزيز غنيم.

والواقع أن هاتين الشخصيتين ستعصف بهما دوامة  الحياة و إكراهات الواقع نحو سبر مجموعة  من المفارقات الفكرية والاعتلالات المجتمعية، التي عكستها ثلة من الحوارات وزمرة من الأحداث المفصلية التي تنساب داخل الرواية: ( حوارات عديم الاسم مع سركيس/ حوار كارل مع ملقاط / حكاية إرتاج / حوار كارل مع ابنته ماريا....).

كما تدفع بهما مجريات الزمن في الملجأ وشارع بودين نحو ملامسة العديد من الاختلالات القيمية والانتكاسات الثقافية عبرت عنها مجموعة الأفكار التي أوردها الكاتب في ثنايا نصه: ( هتك أعراض الأطفال/ الاسترزاق الديني/ العقلية الذكورية / الانغلاق الفكري...).

رِبْقَة أحكام مسبقة

وفي هذا النطاق ومما سلف ذكره ثمة ما يوحي إلى نوع من الامتداد بين هاتين الشخصيتين ( كارل وعديم الاسم) خصوصا على مستوى الصراعات والتناقضات التي تؤججهما وتوقد شرارتهما المفاجآت، التي تعتري عالمهما، وكذا على مستوى ما يضمره النص من دلالات ومعاني تبتغي نقد كل ما من شأنه أن يفرض الوصاية والحجر على العقل الإنساني، وكل ما من شأنه أن يرهن الوعي الإنساني في براثن التزييف وربقة الأحكام المسبقة وكذا المسلَّمات الجاهزة التي أكل عليها الدهر وشرب.

والحال أن هذا الامتداد إن دل على شيء فإنما يدل على رغبة خفية لدى المؤلف في إماطة اللثام عن قضايا وهواجس محددة تشغل عقله وتسكن باله وبال البرلينيين والمتمثلة في مسألة اندماج المهاجرين العرب الوافدين بأعداد كبيرة في الثقافة الألمانية، وسبل العيش المشترك بين الجميع كواجب أخلاقي يحقق شرط الانتماء للإنسانية.

ثم مسألة تزييف الوعي التي تطال عقول السواد الأعظم من الناس عبر الدعاية الكاذبة، التي تمنح الواقع الذي أمامهم شكلا معينا ونظرة مؤدلجة ومضللة  تخفي الحقيقة وتحجبها. وهذا الوعي في الغالب يكون متحكما فيه من طرف قوى خفية أو ظاهرة  تتحرك وفق أجندات مبهمة أو واضحة  لأجل خلق وتثبيث  حقيقة ما.

في الأخير يمكن أن نخرج بانطباع عام من الرواية مفاده قدرة الكاتب على النفاذ والحفر باللغة السلسة الحلوة في أدغال الواقع المر ليكشف لنا عن عوالم متشابكة ومسارات إنسانية متداخلة ومتقاطعة في شكل استعارات -نسينا أنها كذلك على حد تعبير الفيلسوف الألماني "نتشه"- تمزج بين الحقيقة والخيال، عمقها يكمن في الصديد الذي أفرزته الحضارة الإنسانية.

 

 
عزيز غنيم
حقوق النشر: عزيز غنيم
 

ar.Qantara.de 2019

 

عزيز غنيم كاتب وأستاذ للفلسفة من المغرب

 

رواية " شارع بودين " للروائي السوري عبد الحكيم شباط صادرة عن دار الدليل للطباعة والنشر في برلين (2017).
 
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.