"موسم الهجرة إلى الشمال" سرد مضاد لرواية "قلب الظلام"

تتغلغل الثنائيةُ في السرد ومن المحتمل أنها انعكاس لحياة صالح، التي انقسمت بين إنكلترا والسودان. الشمال والجنوب، المدينة والريف، الجنس ورغبة الموت، الحداثة والتقاليد، ومحمد إزاء مصطفى –فالثنائية هي هاجس يتشاركه صالح مع جوزيف كونراد وآخرين كثر.

علاوة على ذلك، يبقى الكثير في هذه الرواية محفوف بالشكوك وعرضة للتكهن: فمن هم السادة الذين تناولتهم الرواية في بدايتها؟ كما أن الوفيات المأساوية للنساء في القصة وحتى نداء استغاثة محمد في النهاية هي أمور غير موضّحة بشكل كامل. هل يموت في النهر أم أنه يُنقَذ؟.

ورغم أن الصوت السردي تُرِك غير مُسمّى، إلا أنه بعيد كل البعد عن كونه غير مرئي وغير متحيّز: فهو مسؤول بشكل غير مباشر عن قتل "ود الريس" وانتحار "حسنة"، وهي مأساة يثير مسارها ذكريات روميو وجولييت. ويُقاد القارئ إلى الاعتقاد بأن الراوي ومحمد هما واحد والشيء ذاته. أما مصطفى، والذي هو كل شيء محمد ليس عليه، فيصر على أنه "ليس عطيلاً"، وأن "عطيل كان أكذوبة". وقد اعترف إروين بأننا "لا نحصل أبداً على القصة النهائية". ومرة أخرى، صالح حريص على الحفاظ على الوهم.

تلك القرية عند منحنى النيل: اختار الطيب صالح موقع أحداثه في قرية سودانية مجهولة "عند منحنى النيل". والنهر له دلالة كبيرة في الرواية: إذ يتدفق النيل نحو الشمال، وتهاجر الطيور والحيوانات شمالاً، كما يسافر مصطفى في الاتجاه ذاته لمواصلة تعليمه، إلى القاهرة أولاً، ومن ثم إلى لندن. ليعود بعدها إلى هذا النهر ويموت فيه.

تتناغم الصورة المفروضة للنهر مع نهر الكونغو في رواية "قلب الظلام" لكونراد. فهو أيضاً رمز للتغيير: إذ تستبدل بالنواعير التقليدية المضخات التي تُسهِّل الري؛ وهذا يسمح للناس بالعودة إلى القرية وزراعة الحقول.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.