كما يُلقي الرمضاني الضوء على التصرفات المُتناقِضة لصدام حسين – فتارةً نَجِده يعتقل الإسلاميين كما فعل عام 1994، وتارةً أخرى نَجِده يطالب رفاقه البعثيين بحفظ آيات من القرآن عن ظهر قلب. تتغير أحيانًا الوجهة السياسية في الكتاب، حين يُذَكِّرُنا المؤلف بمحاولة الاغتيال التي تَعَرَّض لها أحد أبناء صدام حسين، وبفِرار صِهرَيه إلى الأردن عام 1995. 

"ما الذي يَدفعُنا إلى قضاء العُطَل؟ ما الفائدة، ونحن نعيش في بلدٍ يحكمه طاغية؟" هنا، يُعَبِّر الرمضاني عن خيبة في الأمل، مُستَنكِرًا ما آلت إليه العراق كدولة بوليسية يعيش مواطنوها بين جُدارن لها آذان.

يَقُصّ علينا المؤلف قَصَصًا قصيرة، يدوِّن سطورَها، ثم ما يلبث أن يُودعها دُرجَ المكتب تفاديًا للرّقابة، أو ما هو أسوء منها. مُتحمِّسًا لرؤية تغيرات جذرية نحو الديمقراطية في العراق، يَستَشِفّ الرمضاني صِراعًا "ما بين جيل يعرف كيفية القيام بالتغيير، إلا أنه لا يجرؤ على ذلك، وبين جيل آخر راغب بالتغيير، إلا أنه لا يعرف كيفية القيام به – رغم أن الأخير مستعد للتضحية".

 

 

يترك المؤلف العراق عام 1997 سَعيًا وراء حياة أفضل كَمُعَلِّم في ليبيا تحت حكم القذافي، في ظلّ ظروف مُعضِلَة دون شك. نَستَنبِط من بين السطور حياةً محفوفَة بالمخاطر في بعض الأحيان، وصعوبةً في عبور مصر أثناء سَفَر المؤلف من الأردن إلى ليبيا على متن الحافلة. بَعد مرور خمس سنوات، في عام 2002 بالتحديد، نَجِد الرمضاني في الإمارات العربية المتحدة وهو يَحصد جائزة أدبية تلو الأخرى.

نَقفِز في الزمن إلى عام 2014، حين يعاود الرمضاني الكتابة في الأيام التي سَبَقَت الصعود المُرعب لداعش – هذا التنظيم الذي وَصَل به الأمر إلى ابتلاع مساحات واسعة من شمال غرب العراق – دون حتى التطرق هنا إلى امتداده في سوريا. نَجِد الرمضاني مُستخدِمًا جَدوَلين متوازيين من الزَّمَن، مُستذكِرًا أيامَه التي قضاها في ليبيا وخوفَه من الألغام في كوردستان أواخر الثمانينيات، مُدَوِّنًا خلال عرضه هذا الاضطرابات السياسية التي شهدها العراق. كغيره من المُوصِليِّين، يُلقِي الرمضاني باللوم على الحكومة العراقية لسهولة تسليمها المدينة لجماعة إرهابية كداعش مِن خلال لعبة سياسية مَحبُوكَة، سَعيًا في نظره إلى تمكين نوري المالكي مِن الحُكم لمُدة رئاسية ثالثة. 

اِحتلالان، وعقد من الزمن بينهما

قام الرمضاني عام 2003 بتوثيق نَقمَتِه على جيش الاحتلال الأمريكي وهو يَسرَح ويَمرَح في شوارع المدينة، مُصِرًّا بذلك على أن يقاوم المُحتَل من خلال كتاباته. فيبدأ بالعمل في صحيفة مُناهِضة للاحتلال بِدَعم من السياسي العراقي أثيل النُّجَيفِي –  والأخير سيؤول إليه الحال بأن يُصبِح حاكمًا لمحافظة نينَوَى. ولكن، نيتجة الاستفسارات اللامنتهية من الجيش الأمريكي بخصوص نشر إعلاناتهم في الصحيفة، بالإضافة إلى ضغوط الجماعات الإسلاموية الراغبة في ترويج مقولتها الإرهابية، تَرَكَ المؤلف العمل في الصحيفة بعد فترة ليست بطويلة.

وقام عوضًا عن ذلك بتأسيس مَدرسة خاصة مُكَرَّسَة لزَرع قيم المقاومة عبر العملية التثقيفية، حيث انبَرَى لتزويد طلابه بالمعرفة وأيضًا بما أسماه "الذكريات الجميلة" – ذكرياتٌ يحتاجها جيل العراق الجديد أيّما حاجة. هنا، يرى المؤلف وُجُوب لَوم السياسيين بَدلًا مِن لَوم الجنود، لأن الأخيرين بحسب رؤيته "مجبورون على القتال".

 

 

{تَصِف صفحات الكتاب الحياة في ظلّ أشباح الموت الحائمة: حياة يحكمها رُعب من الحُكم الدكتاتوري وعُنف ناجم عن "تغيير نظام الحكم" عام 2003.}
 

يتَحَسَّر المؤلف، الذي عاصَر النُّزوح الإجباري لمَسيحيِّي الموصل، على فُقدان قرون وقرون من التعايش السلمي في مدينته، ناتجًا عن ذلك تدمير هَويتها الفريدة. هَربًا من أشباح داعش، يُفَضِّل الرمضاني أن يَستَسهب في سَرد ذكريات طيبة، كتلك المناسَبة التي تم فيها عرض مسرحيته "أمادو" في لوكسمبورغ باللغة الألمانية.

مُتَنَبِّئًا بمَصير الخراب الكامِل الذي ستؤول إليه الموصل عند استعادتها من براثن داعش، يَختم الرمضاني حكايته ذات الثلاثين عامًا عبر مشهد ملؤه الأمل، ليُذَكِّرنا بأن العراق قد صَمَد في وجه حروب عديدة وسنين طويلة من الموت والدمار، وبأنه سينهض يومًا مِن تحت الرماد ليَستَنشِق الحياة مِن جديد.

 

 
كلكامش نبيل
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.