يخبرنا التاريخ أن الفترة التي تعقب الثورة هي، بعبارة لطيفة، فوضوية. تسعى الجماعات المختلفة التي أحدثت اضطراباً اجتماعياً للتأثير في النظام الجديد، بيد أن المجموعة الأقوى والأكثر تعصباً فقط ستبقى. لم تكن إيران استثناء. ففي السنوات القليلة الأولى بعد الثورة الإسلامية، كان أتباعُ آية الله الخميني أكثر اهتماماً بقمع أولئك الذين ساعدوا بتنظيم الانقلاب بيد أنهم لا يريدون العيش تحت حكم رجال الدين، أكثر من اهتمامهم بأي شيء آخر.

أما أحداث كتاب شوكوفة آزار "تنوير شجرة البرقوق الأخضر" فتدور خلال هذه الموجة الأولى من العنف. من عام 1979 إلى عام 1989 نفّذت القيادة الدينية للبلاد حملة قمع منتظمة ضد أي أحد مشكوك بأمره حتى ولو من بعيد. فالمعلمون، والمفكرون، والفنانون، وأي شخص آخر لا يلتزم بخط القيادة كانوا يُجمَعون ويُعتَقلون. حُرقِت كتب النصوص الفارسية القديمة لأنها لم تكن إسلامية بما فيه الكفاية، أو الأسوأ من ذلك، لأنها عكست زمناً كانت فيه البلاد تعدّديّة، بدلاً من دولة أحادية الدين.

إنّ محاولة بث الحياة في اضطراب تلك الأزمنة تبدو مثل مهمة شبه مستحيلة. لحسن الحظ، بدلاً من التفكير على مستوى أكبر وتفصيل الأعمال الوحشية التي ارتُكِبت على نطاق واسع، ذهبت آزار في الاتجاه المعاكس وركّزت على مصير عائلة واحدة وكيف أثّر الاضطراب عليها. وقد حقّقت هذه المقاربة المصغّرة، بدلاً من المقاربة الشاملة، أثرَها المنشود المتمثّل بإظهار خطورة أهوال الزمن من خلال جعلها شخصية، بينما نشهد كيف تدمّر الدولة عائلةً واحدةً وتحطّمها.

الغلاف الإنكليزي لرواية الكاتبة الإيرانية شوكوفة آزار "تنوير شجرة البرقوق الأخضر".  (published by Europa Editions)
يكتب ماركوس: "اقرؤوا الكتاب واندهشوا من إتقان المؤلفة. استمتعوا ببراعة فنية من أعلى المستويات. وتذكّروا سحر الخيال في أيدي مؤلفة عظيمة وكيف يمكن أن يبثّ الحياة حتى في أكثر الحقائق غير السارة، من دون أن يكون ذلك سياسياً بشكل صريح أو مغموساً في النقد اللاذع".

سردٌ شبحي

في حين أنّ خيار التركيز على عائلة واحدة والقرية التي يعيشون فيها ليس قراراً مفاجئاً، قرّرت آزار أيضاً خلق عالم واقعي سحري على غرار أعمال غابرييل غارسيا ماركيز، مما يجعل الإشارة العرضية إلى رواياته التي تظهر فجأة في القصة ملائمة للغاية. وأول إشارة لدينا أن الأمور ستكون أخروية قليلاً تترافق مع إدراكنا أن الساردة هي شبح الابنة الصغرى للعائلة.

فقد قُتِلت بهار ذات الـ 13 عاماً حين اقتحمت قوات الأمن منزلهم في طهران وحرقت مكتبتهم. بينما اختارت المكان الخاطئ للاختباء. وفي محاولة للابتعاد عن جنون الزمن، فرّت العائلة إلى قرية صغيرة نائية أملاً في الحفاظ على حريتها الفكرية وحياتها على حد سواء. لسوء الحظ، يتّضح أنه لا يوجد مكان بعيد بما فيه الكفاية للهرب من المراقبة.

أولاً جاءت السلطات للبحث عن الوقود للمدافع من أجل الحرب المسرفة التي لا نهاية لها ضد العراق. ومن ثم، عادت للبحث عن أي شيء وأي أحد يمكن اعتباره مضاداً للثورة. يغزون كل المنازل ويصادرون الكتب، والمجلات، وأي شيء يمكن أن يُعتبر خطيراً، ويحرقونه.

ومع اعتقال ابنهم الأكبر، ومن ثم موته في الحجز، تنكسر روح العائلة في نهاية المطاف. كانت الأم روزا في لحظة وفاة ابنها جالسة على الأغصان العليا لواحدة من أشجار الجانرك المملوكة للعائلة. ومع استشعارها لموته، نزلت، فقط لتتجه إلى الغابة حيث تسلّقت أعلى شجرة بلوط وجلست فيها لمدة ثلاثة أيام.

في حين أنّ القصة تتتبع المصائر المادية للعائلة في موقعها الجديد، فإننا نُعطى لمحات عن كيفية تأثّر العالم الروحي المحيط بها. فمع شبح بهار التي تقوم بدور دليلنا نقابل الجميع –من أرواح الزرادشتية القديمة من إيران ما قبل الإسلامية التي تمرُّ لتقديم المشورة والعون حين الحاجة، إلى الجن الذين يعيشون في الغابة المحيطة.

في الحداد على إيران

في مرحلة ما يبدو أن الطقس ذاته في حداد على إيران. إذ، لمدة 177 يوماً، يتساقط ثلجٌ أسود على القرية. ليدمِّر، في نهاية المطاف، المستوطنةَ ويُجبَرُ السكّانُ على البحث عن مأوى في منزل العائلة. فالمنزل الذي يقع على أعلى تلة خارج البلدة قليلاً يتمكّن من تجاوز أسوأ الأضرار. كما أنهم يبقون دافئين من خلال النار التي تبقيها أشباح الزرادشتيين مشتعلة في موقدهم الحطبي، بفضل تلاوة صلاواتهم للنار وقدسية الحقيقة.

وبتعرضهم للخيانة من قبل حكومتهم والناس الذين دعموهم، فلا عجب من أن تتطلّع العائلة والقرية إلى العالم الآخر والماضي من أجل العون. فقد اعتُقل الناس وقتلوا من أجل التفكير، وذُبِح تقريباً جيل كامل من الشبان مقاتلين ضد العراق من أجل بعض الأميال من الصحراء. أي أمل أو متعة يمكن أن نجدهما في هذا العالم؟

ومنزل العائلة مليء بالكنوز والآثار التي تمكّنت العائلة من إنقاذها من منزلها في طهران، ومع ذلك ينبغي إبقاؤها في العليّة حتى لا تُكتشف. هناك تتعفّن ببطء أو تدمّرها الفئران. ويُستبدل التاريخ من قبل النظام الجديد ويُمحى تدريجياً. كما أنّ جمال ونعمة أي شيء خلاف المُعترف به رسمياً يتلاشى في العدم.

خلقت آزار مجموعة جميلة وحزينة من الحكايات الخيالية التي تحدث في واقع مروع. في حين أن البعض خلق عالماً سحرياً يمكن لشخصياتها الهروب إليه، هنا الخيال يكاد يكون مغالطة مثيرة للشفقة عن العالم الحقيقي، عاكسة اضطراب وقلق أحداث إيران. وعلى الرغم من وجود لحظات أمل من الماضي في عوالم السحر، إلا أنها تتعثّر بشدّة بالحقائق القاسية والوحشية في العالم.

 

 

"تنوير شجرة البرقوق الأخضر" هو واحد من هذه الكتب الإعجازية التي لا تملك القوة للدخول إلى قلبك مباشرة فحسب، بل أيضاً تدفعك إلى التفكير. فالعناصر الخيالية للقصة هي غير واقعية إلى درجة أنها تجعل الواقع المصوَّر ووحشية النظام واضحة للغاية.

قرؤوا الكتاب واندهشوا من إتقان المؤلفة. استمتعوا ببراعة فنية من أعلى المستويات. وتذكّروا سحر الخيال في أيدي مؤلفة عظيمة وكيف يمكن أن يبثّ الحياة -من دون أن يكون ذلك سياسياً بشكل صريح أو مغموساً في النقد اللاذع- حتى في أكثر الحقائق غير السارة. إن لم تقرأ إلا كتابا واحدا في عام 2020، فليكن "تنوير شجرة البرقوق الأخضر" لشوكوفة آزار.

 

ريتشارد ماركوس

ترجمة: يسرى مرعي

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.